ثقافة وفن

غفران بلا عودة

هيفاء علي نورالدين

قصة قصيرة

كان الظلام داثِرًا حين استيقظ ياسر على رنين الهاتف. لم يكن رنينًا عاديًا، بل تلك النغمة الخاصة التي وضعها لشخصٍ واحد فقط: نور.

رفع السماعة بيدٍ مرتعشة، وقلبه يخفق كطبلٍ في محفل.

– “ياسر؟”

كان صوتها خافتًا، متكسرًا، كأوراق شجرٍ جافةٍ تدوسها الأقدام.

– “نور؟ ما الأمر؟ أين أنتِ؟ الساعة الثالثة صباحًا…”

– “آسفة… آسفة جدًا.”

ثم انقطع الاتصال.

لم تكن تلك المرة الأولى التي تتصل فيها في جنح الليل بصوتٍ نادمٍ ثم تختفي، لكن هذه المرة كانت مختلفة؛ كان في صوتها شيءٌ أخير، شيءٌ يشبه نغمة الموتى.

لم تكن نور مجرد حبيبةٍ قديمةٍ لياسر، بل كانت قصته التي لم يُكتب سطرها الأخير. كانت شريكته في الجامعة، في الأحلام، وفي خطط المستقبل التي كانا يرسمانها على أوراقٍ بيضاء كالثلج.

ثم فجأة، كالسكين في الظلام، اختفت.

لم تكن خيانةً بالمعنى التقليدي؛ لم يرَها مع رجلٍ آخر، لكنها خانت الثقة، خانت الأحلام، وخانت العهد الضمني بينهما بأن يصنعا معًا عالمًا يليق بهما.

تركت رسالةً مختصرة: “آسفة يا ياسر، لا أستحقك. حياتي ستدمّر حياتك. وداعًا.”

بحث عنها كالمجنون، فاكتشف أن والدها مريضٌ بمرضٍ عضال، وأنها تزوجت من رجلٍ ثري – صديقٍ قديمٍ لوالدها – لتوفير العلاج له في أفضل المستشفيات.

كانت تضحيةً نعم، لكنها أيضًا طعنةً في ظهر ياسر.

لم تثق به ليشاركها الأزمة، ولم تمنحه فرصةً ليكون الرجل الذي يقف إلى جوارها.

خانتْه بصمتها، خانتْه بتضحيتها المنفردة. بعد خمس سنوات من ذلك اليوم، أصبح ياسر طبيبًا ناجحًا.

بنى حول قلبه أسوارًا من صخرٍ، لا يدخلها أحد. حتى فاطمة، خطيبته، كانت تشعر أحيانًا أنها تقف على عتبة تلك القلعة، لا تدخل إلا إلى ساحاتها الخارجية.

في أحد الأيام، بينما كان ياسر في نوبة عملٍ بالمستشفى، أُدخلت حالةٌ طارئة: امرأة في حالةٍ نفسيةٍ صعبة بعد محاولة انتحار.

حين رآها، كاد قلبه أن يتوقف — كانت نور.

شاحبة، هزيلة، كظلٍّ لما كانت عليه. في عينيها الذعر نفسه الذي رآه آخر مرة قبل أن تختفي. لم تمت؛ أنقذتها الجراحة، لكن روحها كانت قد نزفت بالفعل.

كانت أرملة الآن، فقد مات زوجها – المنقذ – قبل عام، تاركًا لها ثروةً، لكنها كانت وحيدة، تعيسة، تعيش في قصرٍ من ذهبٍ، جدرانه مأهولةٌ بالأشباح.

بدأت تزوره في عيادته، تطلب المساعدة. كانت تريد أن تعود، أن تُصلح ما أفسدته. كانت تنظر إليه بعينين تائبتين وتقول:

“كنت أضحي من أجل أبي، لكنني في الطريق ضحيتُ بنا. هل يمكن أن تسامحني؟”

كان ياسر ممزقًا؛ ذاكرته متحفٌ لألمه. كل لقاءٍ معها كان يفتح جروحًا قديمة، لكنها أيضًا كانت “نور”، المرأة التي أحبها حتى الثمالة.

في ليلةٍ ممطرة، جاءت إلى عيادته تبكي كطفلةٍ ضائعة.

قالت: “والدي مات منذ أشهر. مات وهو يظن أنني سعيدة في زواجي، لكنني كنت أموت كل يوم. كنت أرى وجهك في أحلامي، وتأنيب ضميري يرافقني كظلي.”

نظر إليها ياسر، فرأى في عينيها ذلك الشبح الذي لازمه هو الآخر لسنوات.

أدرك حينها أن الخيانة لم تكن فعلها وحدها؛ كان هو أيضًا قد خانها بطريقةٍ ما. خانها حين سمح لغضبه وألمه أن يقتلا كل ذكرى جميلةٍ بينهما،

وخانوها برفضه فهم ظروفها، ولو أن الفهم لا يعني قبول خيارها.

قال بصوتٍ هادئ: “لا أستطيع أن أعود بكِ إلى الماضي يا نور. الجراح تلتئم، لكن الندوب تبقى.”

فهمست: “إذًا ماذا أفعل؟”

قال: “عيشي. هذا كل شيء. عيشي من أجل نفسك الآن. اغفري لنفسك كما أحاول أن أغفر لكِ.”

في تلك الليلة، أدرك ياسر أن بعض الخيانات لا تُغتفر، ولكن يمكن أن تُفهم، وأن الغفران ليس ضعفًا، بل شجاعة؛ شجاعة أن تُطلق سراح الشبح الذي يسكنك لتستطيع أن تعيش.

لم يعد مع نور، وتزوّج من فاطمة التي وقفت إلى جانبه صامدةً كشجرةٍ باسقة. لكن علاقته بنور لم تنتهِ بالكراهية، بل تحوّلت إلى سلامٍ غريب؛ سلامٍ يعترف بالألم، لكنه يرفض أن يسمح له بالتحكم في المستقبل.

في النهاية، ربما كانت أكبر خيانةٍ يمكن أن يرتكبها الإنسان هي خيانة نفسه: خيانة أحلامه، وقلبه، وإنسانيته.

وربما كان أعظم انتصارٍ أن نتعلّم الغفران، ليس لمن خاننا، بل لأنفسنا التي سمحت للخيانة أن تُحوّلنا إلى أشباح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com