تحوّلات الحساسية السردية في القصة السعودية 1-3

بقلم: محمد بن ربيع
“قراءة في مجموعة مواسم الشمس المقبلة” لمحمد علي قدس
توطئة مقتضبة:
كانت تحولات القصة القصيرة في بلادنا ظاهرة لكل ذي نظر؛ فلقد غادرت مبكرًا مجالس الوعظ والحكمة، واتكأت أولاً على الحكاية الواقعية المباشرة، ثم مضت نحو آفاق الوعي النفسي والداخلي. حينها بدأ الحدث يتراجع قليلاً ليترك مكانه لتوتر شعوري خفي، وتبددت ملامح الزمن، فيما أخذت اللغة تظهر بوصفها كيانًا جماليًا لا مجرد وعاء للأفكار.
في هذا الأفق أخذت تتشكل رومانسية متأخرة ذات قناع سردي، جاءت تصويبًا للرومانسية الغنائية، وفتحت أمام القصة القصيرة رهانات تجعل القراءة رياضة ذهنية ممتعة.
لم تكن تلك التطورات بفعل عمل واحد ولا عدة أعمال حتى، بل كان تحولًا تراكميًا بدأ منذ الستينات واشتد في السبعينات ثم تبلور في الثمانينات، غذته قصص مفردة وغذته مجموعات متباينة الحظ من الذيوع والانتشار. وكان محمد علي قدس حاضرا في هذا الموكب، جزءاً منه، سبقه إليه نفر من كُتّاب القصة ولحق به آخرون.
ولقد عرف هذا الموكب أسماء مثل: عبدالله جفري بمجاميع منها: الجدار الآخر 1969، ومثل سليمان سندي، ومحمد زارع عقيل، ومحمود عيسى المشهدي، وفهد الخليوي، وجبير المليحان، وخليل الفزيع، ومحمد المنصور الشقحاء وعبدالله سعيد جمعان. ومن الأسماء اللافتة جدا سعيد السريحي الذي نشر قصة” جنّي المقبرة” في مجلة ” البلاد* عام 1971 وهي القصة التي حركت في جيلنا الكثير رغم أن كاتبها كان طالباً في ثانوية الشاطئ آنذاك. (*ملحق أسبوعي كان يصدر كل سبت عن صحيفة البلاد في شكل مجلة، وقيل أنه كان الإرهاصات الأولى لمجلة اقرأ والله أعلم)
المزيد من الحساسية الجمالية السردية :
في عام 1977 صدرت مجموعة “الخبز والصمت” لمحمد علي علوان بمقدمة ضافية للناقد المصري “يحيى حقي” فكانت من العلامات المبكرة لمرحلة مختلفة. وفي العام نفسه صدرت غدير البنات للرائد إبراهيم الناصر الحميدان، وله جهد سردي مشهود قبل ذلك العام وبعده. وصدرت أغلق الباب خلفك لسليمان الحمّاد، ورجل على الرصيف لعبدالله سعيد جمعان. ثم تتابعت المجموعات بعد ذلك فصدرت: الرحيل لحسين علي حسين 1978، وحصة زمن لعلي حسون 1978، وفي العام الذي يليه 1979صدرت: موت على الماء لعبد العزيز مشري، نقطة الضعف لمحمد علي قدس، الصمت والجدران لسباعي عثمان، أحزان عشبة برية لجارالله الحميد، وفي 1980 صدرت الظمأ لعبدالله جفري، ومكعبات من الرطوبة لعبدالله السالمي، ثم صدرت: المجانين لحسين حسون في 1983، مقاطع من حديث البنفسج1984 لخالد اليوسف، زمن العشق الصاخب لحسن النعمي، مسافات المطر الآتي لفهد العتيق في 1985. وفي 1986 صدرت النص البديل لأحمد الدويحي والمفازة لمحمد بن ربيع، وفي 1987 صدرت انطفاءات الولد العاصي لسعد الدوسري، وحوار على بوابة الأرض لعبده خال. وفي عام 1989 صدرت ظهيرة لا مشاة لها ليوسف المحيميد. وفي عام 1993 صدرت بيان الرواة في موت ديما لمحمود تراوري، والحفلة لعبدالله باخشوين، ثم ما تلا ذلك من مؤشرات اتساع تجربة القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية وتنامي رهاناتها.
محمد علي قدس في سياق القصة القصيرة السعودية:
كان القاص محمد علي قدس حاضراً وقد رسّخ حضوره مبكرا منذ صدور مجموعته الأولى نقطة الضعف في عام 1979، لكنه واصل في السنوات التالية تقديم عطاءاته الجميلة فصدرت له مجموعة مواسم الشمس المقبلة في عام 1982، وصدرت له مجموعة النزوع الى وطن قديم في عام 1986، ومجموعة هموم صغيرة، ثم مجموعة ما جاء في خبر سالم التي صدرت في عام 1995تلتها مجموعة ظمأ الجذور التي صدرت في عام 2012 ليؤكد قدس على رسوخ قلمه في عالم القصة القصيرة وعلى دوره الواضح في تقديم قصة سعودية حديثة تسهم بوضوح في ترسيخ مسار القصة الحديثة في المملكة العربية السعودية.
المجموعة: القصص والرهانات
تمثل «مواسم الشمس المقبلة» تحوّلًا في الحساسية السردية من الرومانسية الغنائية التقليدية إلى رومانسية متأخرة* تتجلى في صورة قلق وضغط نفسي، ويتجسد ذلك في معجم شعوري خاص يمكن مقارنته – على نحو كاشف – بمعجم القلق عند كافكا.(*الرومانسية المتأخرة المقنّعة نفسيًا، حساسية وجدانية لم تعد تعبّر عن نفسها في هيئة الحنين الغنائي أو المثال العاطفي، بل في هيئة قلق داخلي وضغط نفسي واحتباس شعوري. وهذا ما أسلمني إليه بحثي في لغة المجموعة وفي معجمها الشعوري).
تقع مجموعة مواسم الشمس المقبلة في قرابة 130 صفحة من القطع المتوسط. وقد جاءت رهاناتها متوزعة على ثلاث عشرة قصة قصيرة هي كما جاءت (في ترتيب الطبعة الأولى عام 1982): (مواسم الشمس المقبلة، حزن امرأة مهزومة، غثاء السيل، عرف الديك، وتساقطت أوراق العمر، المشوار اللعين، الدوامة، الخوف من النهاية، نداء القرية، العاصفة والمهر الأبيض، وللشيطان حوافر، المجنونة، أقصوصتان للظل والمطر).
البناء الشعوري العام للمجموعة:
تتحرك قصص هذه المجموعة داخل أفق الرومانسية المتأخرة المقنّعة بقناع نفسي، حيث يسهل أن تعثر في العمق الشعوري للنصوص(وحتى عندما لا يذكر النص الماضي صراحة) على إحساس بأن شيئًا ما كان يمكن أن يكون أفضل أو كان ممكنًا ثم انكسر أو ينتظر التحقق، فالبنية الشعورية مبنية على إحساس بفقد إمكان ما.
ومن يتأمل هذه المجموعة يلاحظ تراجع الحدث الخارجي أمام كثافة الداخل النفسي وكأن الداخل النفسي يحيط به من كل مكان ويرى الحدث وهو يتراجع أمامه. وعندما تتأمل مجموعة المؤشرات داخل النصوص فسوف تجد أن مؤشر القلق هنا عاطفي مكثف، والمعنى حاضر بكامل توتره لكنه مجروح، والحنين ضمني ومستدام. أما سؤال العدم فيكاد يغيب عن هذه النصوص لأنها لا تطرح أزمة وجود إنسان أمام غول العدم، بل هي تصوغ جرحه بحساسية رومانسية ولغة نفسية حديثة. ولعل هذا هو لب الرومانسية المتأخرة. (تابع في الأعداد القادمة)



