قراءة نقدية في رمزية الصراع والتدمير لقصة ” عيادة الأشقياء” للكاتب ظافر الجبيري
جدية الشر المطلق:

بقلم : ريما آل كلزلي
يقدم هذا النص مشهداً سردياً مركباً، يتميز بغرائبيته وانزياحه عن النمطية التقليدية، إذ تتقاطع فيه عناصر العنف والدراما السوداء مع لمسات من السخرية اللاذعة والرمزية العميقة. خلال النص تنكشف أبعاد صادمة لنزعة الإنسان نحو الدمار، متجسدة في حوارية مشحونة بين شخصيتين تمثلان قمة الجموح الإنساني للتدمير والقهر. وكأنما ما يلوح في الأفق صدق تساؤل الملائكة: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء”؟ لتثير القصة تساؤلات حول طبيعة الإنسان وغرائبه في التدمير والطغيان. هذه القراءة النقدية تسعى إلى تسليط الضوء على البناء الفني للنص وإبراز رمزيته، وأبعاده النفسية والفلسفية، في محاولة لفهم كيف صنع الكاتب ظافر الجبيري هذا المشهد المشحون بالانفعالات والتناقضات.
لا يمكن للقصة أن تكون أسيرة لصرعة موسمية، أو حالة سياسية راهنة تبعدنا عن جوهر الإبداع، إلا أن قصة ” عيادة الأشقياء” تثير مسألة العلاقة بين الرمزية والمعنى وتنتهي بنا في عقر الحالة والمعنى العميق للعنف بأسلوب أدبي مثير. عدا أنه يبين حالة من الظلال السادية والظلمات المتشكلة في العالم اليوم. من حق المبدع أن يكتب ما يشاء، وبحرية، وقد استخدم الكاتب آليات لأسباب تعلق بعضها بالابتعاد عن صراع المباشرة، وهو أسلوب مناسب لطبيعة الهدف المنشود، فقد وظّف الألوان بشكل يتواءم مع القوتين المتنافستين، والعنف الذي تنتميان إليه كما لو كان مؤسسة عالمية.
بدءاً من الفكرة المطروحة تظهر براعة الكاتب وظافرته في تصوير عالم عبثي محكوم بالفوضى التي تغلفها ظلال الألوان، البرتقالي والأزرق. فكلّ لون يحمل دلالات رمزية، البرتقالي بطاقاته التدميرية وارتباطه المباشر بالنيران، وسياسة الأرض المحروقة، استعراض الجرائم التي شملت تدمير المستشفيات والمدراس يشير إلى ارتباط البرتقالي بالعنف المفتوح كونه لوناً يتمتع بالحرارة والشدة. أما الأزرق فهو الاحتواء البارد، لكنه ليس بروداً مسالماً، كما لو أنه يشير إلى العنف البارد والمتقن. واتفق اللونان في إحداث الدمار.
في جوهر القصة يوجد انتقاد صارخ لطبيعة اللعبة القاتلة التي غالباً ما تنتهي إلى دائرة مغلقة من العنف والعنف المضاد، حيث لا يميز بين الجاني والضحية، يتحول الجميع إلى أدوات في لعبة صنع الدمار، وإعادة تشكيل الأنطولوجيا الإنسانية بصورة صراع دائم. وتتجلى في العيادة النزاعات الوحشية، فالطبيب لم يكن مسالماً أو مبادراً للإصلاح، بل كان أداة أخرى في دائرة العنف. وقد لاحت فكرة العدمية، بمعنى أن النظام العالمي لا يبحث عن العدالة، أو الغاية أو حتى التبرير العقلاني، وإنما ينزلق نحو صراع هدام مستمر، تتساوى فيه الجرائم مع الانتصارات.
الشخصيات في النص تتسم بتصميم رمزي عميق، حيث يمثل الطبيب صورة محورية للأنظمة العالمية التي تُمارس دورها الشكلي في علاج الأزمات والنزاعات، لكنها في الواقع جزء من المشكلة نفسها. الطبيب المستمتع بعرض جرائم الأبطال (البرتقالي والأزرق)، وصمته على هذا الاستعراض الدموي، يعكس موقف الأنظمة المحايدة ظاهريًا، والداعمة ضمنيًا لاستمرار العنف لتحقيق مصالحها الخاصة. أما الممرض، الذي يبتسم ويقول: “لقد أحسنا اختيار الطبيب “، في تجسيد واضح للمتواطئين في الظل، وأولئك الذين يلعبون دور المشاهد أو المؤيد الصامت لكل فوضى تشتعل. الشخصيات بهذا الشكل لا تُشخص أفرادًا بمعزل عن كيان أكبر، بل تمثل أجزاء من نظام متكامل يُنتج ويُعيد إنتاج دوائر العنف، مما يجعل النص خارطة رمزية لهذا التواطؤ الجمعي، ومن خلال هذه الشخصيات يسأل الكاتب: “
-إلى أي مدى نحن، كجزء من النظام، مسؤولون عن استمرارية العنف؟
-هل العنف الحتمي بين الأطراف الكبرى سيؤدي في نهاية المطاف، إلى دمار يصيب الجميع بلا استثناء؟”
هناك إبداعاً في تقديم نص ذي أبعاد فلسفية وسياسية من خلال بناء مشهد أدبي سمته السخرية السوداء، وهو نوع من الأدب الذي نادراً ما نراه بهذه القوة والثراء. تبتعد فكرته عن التكرار، وتغوص في مناطق اللّا مُفكر فيه، مخترقة أسوار التقليدي، لتبرز الجوانب المظلمة للحضارة الإنسانية التي تدّعي الرقي والنظام والرقي. بينما جذورها ضاربة العمق في الفوضى والسادية.
ما يجعل النص جديراً بالاحتفاء هو أسلوب الصياغة الأدبية، حيث وظف الكاتب أسلوباً يوازن بين الرمزية الفنية والواقع السياسي القاتم بطريقة مبهرة. من خلال الحوار الداخلي (المونولوج) والخارجي للشخصيات، أظهر هذا الانقسام الساخر بين الخطاب الواقع تحت أقنعة الزيف، وحقيقة الجريمة العارية. إلى جانب تصوير الطبيب في عيادته كمستمتع، والممرض كمتآمر بالصمت، يقدم تصويراً نفسياً دقيقاً للأدوار المتعددة التي يلعبها البشر في لعبة الصراعات الكبرى.
يأتي الأسلوب بلمسة تجمع بين التهكم الحاد والدراما الرمزية، مما يجعل النص قريباً من كتاب عالميين مثل جورج أورويل، وفرانز كافكا، من حيث كشف تناقضات السلوك البشري وتحويل القوة إلى لعبة يائسة. في ذات الوقت تذكرنا اللغة المكثّفة بالبلاغة اللاذعة التي تأخذ القارئ إلى أعمق نقطة في الفهم دون أن يفقد جذور التسلية والمتعة.
النص لا يُقدم إجابة، ولكنه يُجبر القارئ على مواجهة الحالة العبثية للعالم. فالنهاية المفتوحة، بانفجار القنبلة في وجه الجميع، تمثل الدائرة المغلقة للعنف، وتحمل دلالات عميقة تتجاوز اللحظة السردية، وتمنح القارئ مجالًا واسعًا للتأويل. انفجار القنبلة في عيادة الطبيب يوحي بشبكة مترابطة من المصير المشترك، حيث يدفع الجميع ثمن الصراعات، سواء الجناة أو الضحايا. كما يمكن قراءة الانفجار كدائرة مغلقة من العنف، تعيد تشكيل نفسها بشكل دائم داخل الأنظمة البشرية، مع استحالة كسر هذا النمط التدميري. من جهة أخرى، يُمكن للنهاية أن تُجسّد العبثية الكاملة التي هيمنت على النص، حيث إن كل الصراعات والنزاعات الكبرى تؤول إلى دمار شامل لا يفرق بين المنتصر والمهزوم. هذه النهاية تضع القارئ أمام تحدٍّ وجودي يستلهم فيه تساؤلات جوهرية: هل يمكن كسر هذه السلسلة الدموية في النظام الإنساني؟ أم أنّ العنف جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية والنظام العالمي؟
الفكرة بحد ذاتها عبقرية، ولكن التنفيذ جعلها عملًا فنيًا بديعًا. شكرا لجمال هذا النص الذي بدا أشبه بصرخة ضد العدمية والعنف المؤسسي، ضد تحويل الكائن البشري إلى آلة للدمار. فقد استطاع النص خلق عوالم متداخلة، موادها الأساسية هي الفوضى، الدم، والابتسامة التي تسخر من كل شيء.
فيما يلي نص قصة” عيادة الأشقياء”
قرّر الطبيبُ إجراء كشف عاجل للبرتقاليّ والأزرق لمعرفة مَنْ منهما صاحبُ الشهية الأقوى في القتل وصنع الدمار! بلا مقدمات، الطبيب يعلم أنهما صديقان محترفان، لكن، لا بدّ من سماع الأقوال، فربما يتفوّق أمامَه سفّاح على قاتل! قدّم كلّ منهما مرافعته، فظهرت رواسبُ عُقَدٍ قديمة ومستجدة تفضح تعطّشًا للدم، وطَمعًا في دخول تاريخ الجرائم العظمى، مع رغبات دفينة في التحكّم بالآخرين نفسيًّا وتجاريًّا وعسكريًّا، والأخطر انكشافُ حالات ساديّة في البطش والتعذيب والاعتداء على الآخرين. بدأ الأقلُّ ذوقًا والأدنى لباقةً باستعراضِ قائمةٍ بالأهداف المدنية الكبرى التي دمّرها، وأبدى استمتاعه بمنظر الدماء التي تجري أمام ناظريه، وأعلن عن سعادته حين يرى دموع الأمهات على أحبابهن وهم يُقتلون أمام عيونهن، وعلى شاشة العيادة، عزّز براهينَه بعرض الصور المليئة بتدمير المستشفيات، وقتل الأطفال، وهدم المدارس، وتنفيذ سياسة الأرض المحروقة، ونشر الفوضى وإشعال الحروب في كل مكان. ردّ الآخر، فعرض قائمةً بالقوانين والأنظمة التي داسها بقدميه، مع شرح نجاعة الأسلحة الفتّاكة التي يمتلكها، ولم ينس عرضَ نجاحه في دعم جيشه بكتيبة من كلاب مسعورة تنهش أجساد الضحايا قبلَ وبعدَ سَحْل جثثهم وتمزيقها في الشوارع. استمتع الطبيبُ كثيرًا وهو يصغي إليهما، وتمنّى لو شاركهما بعضَ تلك الحفلات اللذيذة! وقبل انتهاء المرافعة الصاخبة، شكّ الأزرقُ في أنّ البرتقاليّ قد يفوز عليه بفارق جريمتين أو ثلاث من تلك التي يُحسد المجرمون على ارتكابها! فنهض من كرسيه، وباغت خصمه العزيز بلكمة في الوجه، ثم استمرّ في الهجوم الساحق عليه، وبعد أن أوسعه لطمًا وركلًا، أخرج قنبلة صغيرة من جيب بدلته الأنيقة، ووضعها في فم منافسه قبل أن يكمل شتائمه، فانفجرت بين أسنانه، ودوّى انفجار صغير في العيادة تناثرت معه أجسادُ الثلاثة. سمع الممرّضُ الصوت من خلف الباب. فابتسم جالسًا في مكانه، وهمس في صمت: لقد أحسنا في اختيار الطبيب !



