علي رصيف باب بحر

هيفاء علي نورالدين
قصة قصيرة
المساء يبدأ ببطء عند رصيف باب بحر. البحر ساكن أكثر من العادة، لكن صوت الأمواج الخفيف يختلط بأصوات المدينة: ضحكات المارة، صدى خطوات على الحجر، وباعة يصرخون باسم بضاعتهم كأنهم يرددون دعاء يومي.
علي يجلس على الرصيف، ساقاه متدليتان نحو الماء، وعيناه تراقبان البحر بلا هدف. ليس عنده شيء ليبحث عنه، لكنه يشعر أن البقاء هنا يملأ قلبه. في جيبه كيس صغير يحتوي بضع عملات وقليل من الخبز. ربما يكفي لشيء بسيط قبل الغروب.
تمرّ امرأة كبيرة، تحمل سلة مليئة بالسمك الطازج. توقف بجانبه، تقول بابتسامة هادئة:
– مساء الخير يا ولدي… الجو حلو اليوم.
يردّ علي بخجل:
– مساء النور…
تمشي وتترك رائحة البحر والسمك تختلط في الهواء، رائحة مألوفة جدًا بالنسبة له، كأنها جزء من ذاكرته.
الأطفال يركضون على الرصيف، يلعبون الكرة، ويصرخون بلا توقف. علي يبتسم لهم، رغم أنه وحده. يراقب كيف أن الزمان لم يوقفهم، وأن الفرح يبقى رغم كل شيء.
هناك على الرصيف، كل شخص له قصة صغيرة. البائع العجوز يفتح صندوقه، يبيع تذاكر ركوب القوارب. شاب يجلس على حافة الرصيف، يبيع أعواد الحلوى لطلبة المدارس. وكل يوم، كل شخص يتكرر في مكانه، كأنه مشهد سينمائي رتيب، لكنه مليء بالحياة.
علي يفكر في والده، في الأيام التي كان يأتي فيها معهم إلى البحر، كيف كانوا يجلسون هنا لساعات طويلة، يراقبون السمك والبحارة، ويتحدثون عن أشياء لم يفهمها بعد. كل ذكرى صغيرة كانت كحبة رمل بين أصابعه، صلبة، لكنها تمنحه شعورًا بالانتماء.
مع الغروب، يتحوّل البحر إلى لون نحاسي، والسماء تتلوّن بالبرتقالي والأرجواني. علي يشعر بشيء غريب: مزيج من الحزن والطمأنينة. الناس يذهبون الأصوات تتلاشى، ويبقى هو على الرصيف وحده.
لكن هنا، في هذا المكان، كل شيء يبدو صادقًا: الشمس، البحر الرصيف، والوجوه العابرة. كل شيء يهمس له أنه لا يزال جزءًا من المدينة، مهما شعر بالوحدة.
وفي آخر المساء، قبل أن ينهض ويعود إلى بيته، ينظر إلى البحر مرة أخيرة، ويهمس لنفسه:
– غدوة، سنجلس هنا مرة ثانية… كما كل يوم.
رصيف باب بحر ليس مكانًا فقط للجلوس، بل مساحة لتذكر الحياة، ولحفظ الحكايات الصغيرة، وللتشبث بالبساطة التي تصنع الإنسان. علي يغادر، والليل يهبط بهدوء، كأن المدينة تتنفس معه وتتركه يمشي بخفة، رغم كل ما مرّ به في هذا اليوم.



