مقالات

مهرجان عسل الباحة… وجهة بطعم التراث

9 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بخيت طالع الزهراني

زرتُ مهرجان العسل بالباحة برفقة الصديقين الأديب محمد جبران، والباحث التاريخي عبدالحي الغبيشي. وما إن دخلنا أروقة المهرجان حتى بدا لي المكان تحت قبةٍ من التفاعل الاقتصادي والاجتماعي؛ ازدحامٌ كثيف بالناس، أظنهم بين سائح، ومشترٍ، ومتذوق، ومكتشف. مشهدٌ يبعث على التفاؤل، ويؤكد أن المهرجان لم يعد مجرد مناسبة موسمية عابرة، بل غدا وجهةً سياحيةً واقتصاديةً يقصدها الآلاف، بطعم العسل وعبق المكان..

رأينا أطنانًا من العسل المفحوص مخبريًا، من إنتاج المنطقة ومن خارجها، وأنواعًا متعددة من أشهر أصناف العسل المعروفة. تذوقنا، واشترينا ما طاب لنا وفق ميزانياتنا، على الرغم من أن هدف جولتنا في البداية كان مجرد التعرف إلى المهرجان واستكشاف أركانه. لكن إغراء المعروضات وجودتها سرعان ما دفعانا إلى تغيير خطتنا؛ فما إن انتصفت الجولة حتى وجد كلٌّ منا يده تمتد إلى محفظته ليبتاع عبوةً من العسل، وكأننا نجسد المثل الشعبي الدارج: «حج وبيع سبح».

لكن ما لفت انتباهي أن العسل لم يكن وحده نجم المكان؛ فقد حضرت معه أوعية السمن البلدي، وكان في غاية الامتياز.

وبالنسبة لي، فإن معرفة جودة العسل أو السمن لا تبدأ بالتذوق، بل بالشم. فالرائحة الصادقة كثيرًا ما تكشف ما تعجز عنه الكلمات، وهي أول اختبارٍ للمنتج الأصيل.

كما وجدنا محلين يقدمان عسلًا من سلطنة عُمان، وكان من بين المعروض عسل اللبان، وهو من الأنواع التي تثير فضول الزائر قبل أن يتذوقها. وفي إحدى الزوايا كان أحد المنظمين يهيئ المتسوقين لمسابقة ستبدأ بعد قليل، وجائزتها عبوات من العسل، لكننا غادرنا قبل انطلاقها.

17a3eb80 e2b4 4b09 8521 bd4ec9b5ecfb

وكان من الجميل أيضًا أن ألتقي صديقًا قديمًا يتجدد حضوره كلما التقينا، هو المهندس مانع، صاحب محلات أبو عمر الغامدي للعسل، التي أصبحت تمتلك ستة فروع، وتقدم خلال المهرجان خصمًا بنسبة (15%) على عدد من أشهر أنواع العسل، مثل: السدرة، والطلحة، والسمرة، والقتادة، الضهيان. وله فروع في شارع الصحافة بالرياض، وحي السامر بجدة، وعسير، وسوق السبت ببلجرشي، إضافة إلى مشاركته الحالية في مهرجان العسل بحديقة الأمير حسام. وقال: لا يزال أمام الراغبين في الزيارة أربعة أيام قبل إسدال الستار على المهرجان.

خرجتُ من الزيارة بانطباعٍ واضح؛ وهو أن العسل في منطقة الباحة، خصوصًا، لم يعد هوايةً يمارسها بعض الأهالي كما كان في الماضي، بل تحول إلى صناعةٍ وحرفةٍ ومهنة تنتج الأطنان، وتدر اقتصادًا ملموسًا، وتخلق فرصًا استثمارية واعدة.

وهنا نستطيع أن نقول إن تربية النحل في بلادنا عمومًا، وفي الباحة خصوصًا، صارت قطاعًا اقتصاديًا واعدًا، يجمع بين الموروث والحرفة والاستثمار، ويسهم في تنويع مصادر الدخل، ويعزز السياحة الريفية، ويؤكد أن المنتج المحلي قادر على المنافسة، بعد أن وجد الدعم والتنظيم والثقة.

غادرنا ونحن أمام خيارين للوصول إلى سيارتنا: إما ركوب العربة الكهربائية مقابل ستة ريالات للشخص، وإما أن نمنح أرجلنا فرصةً للنشاط. فاخترنا الطريق الثاني، وصعدنا عبر طريقٍ إسفلتي يتسلق الجبل، وكأنه يختبر قدرتنا على المشي، رغم أن خطواتنا كانت قد أثقلتها قبل قليل ملاعقُ العسل التي تذوقناها في أكثر من محل، والتمرُ المغموس بالسمن البلدي، وأقراصُ الشمع، والخبزة الباحاوية الساخنة.

كانت تجربةً ممتعة، عشناها بين عبق التراث ونكهة الطبيعة. فيما كانت أعماقنا تهتف: “يا لله العودة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com