يحيى مدخلي.. حكايةُ رجلٍ جمع بين القلم والعدسة والهندسة

كتب حمد دقدقي
في مسيرة بعض الأشخاص لا تبدو المهنة مجرد وظيفة، بل تتحول إلى رسالةٍ تتشكل ملامحها مع كل محطة من محطات الحياة. ومن بين تلك النماذج يبرز المهندس يحيى مدخلي، الذي اختار أن يجعل من الهندسة والإعلام والعمل المجتمعي خيوطًا متشابكة تنسج حكاية إنسان آمن بأن التنمية تبدأ بالفكرة، وتكبر بالمبادرة، وتكتمل بخدمة الإنسان.

لم يبدأ المشهد من مكتب هندسي، بل من مقاعد الصحافة؛ حين حمل قلمه صحفيًا في صحيفة الوطن، متتبعًا تفاصيل الحياة اليومية، ومؤمنًا بأن الكلمة الصادقة قادرة على صناعة الوعي. هناك تعلّم أن الخبر ليس حروفًا تُكتب فحسب، بل مسؤولية تُبنى، وأن الإعلام الحقيقي هو الذي يضيء الطريق قبل أن يصفه.
وفي سنوات الشباب الجامعي بجامعة جازان، كان طالب الهندسة المدنية يدرك أن الخرسانة وحدها لا تبني المدن، بل تبنيها أيضًا الأحلام، والعقول التي ترى في كل مشروع فرصةً لتحسين جودة الحياة. ولم يكن غريبًا أن يشارك في العمل التطوعي، وأن ينتخب عضوًا ممثلًا لشباب محافظة صامطة في مجلس شباب المنطقة، حيث كانت شخصيته القيادية تنمو بهدوء، وتتعلم لغة الحوار مع المسؤولين، وتدافع عن تطلعات الشباب بثقة واحترام.
ومع شغفه بالصورة، انضم إلى جماعة المصورين المحترفين وصناع المحتوى، فصارت عدسته شاهدًا على التحولات التي تعيشها منطقة جازان. كان يرى في كل مشروع قصة، وفي كل فعالية رسالة، وفي كل إنجاز وطنًا يستحق أن يُروى للأجيال. لم تكن الصورة عنده لقطةً عابرة، بل وثيقةً تحفظ ذاكرة المكان، وتحتفي بجهود الإنسان.
وحين التحق بأمانة منطقة جازان مهندسًا مدنيًا، لم يبحث عن العمل المكتبي بقدر ما اختار الميدان؛ لأن المهندس الحقيقي – في نظره – هو من يسمع نبض الشارع قبل أن يرسم خطوطه على الورق. ومنذ خطواته الأولى، لفت الأنظار بمبادرات عملية هدفت إلى تطوير الحركة المرورية، وكان من أبرزها مراجعة وتنظيم بعض الإشارات المرورية عند مداخل مدينة جازان، بما يسهم في انسيابية الحركة، والحد من الازدحام، ورفع مستوى السلامة. وقد حظيت تلك المبادرات بتقدير المختصين، وعدّها كثيرون نموذجًا لتكامل الرؤية الهندسية مع الاحتياج الميداني.
ولم يتوقف عطاؤه عند حدود الهندسة، بل اتسعت مسؤولياته ليشرف على فعاليات أمانة منطقة جازان، ويكون ممثلها في لجنة السلامة المرورية بالمنطقة، حيث يعمل مع زملائه على تعزيز ثقافة السلامة، وتطوير الحلول المرورية، والإسهام في المبادرات التي تجعل الطريق أكثر أمنًا، والمدينة أكثر انسيابية.
أما في فضاء الإعلام الرقمي، فقد واصل رسالته عبر منصات التواصل الاجتماعي، مقدمًا محتوى بصريًا يوثق فعاليات جازان ومناسباتها ومشروعاتها التنموية. فاجتمع في شخصيته الصحفي، والمهندس، والمصور، وصانع المحتوى، ليقدم نموذجًا معاصرًا للمواطن الذي لا يكتفي بممارسة دوره الوظيفي، بل يشارك في صناعة الصورة الذهنية المشرقة لمنطقته ووطنه.
إن تجربة يحيى مدخلي تؤكد أن النجاح لا تصنعه المهنة وحدها، بل تصنعه الروح التي تمنح المهنة معناها. فهو يؤمن أن الطريق ليس مجرد إسفلتٍ يمتد بين المدن، بل رسالة أمان، وأن الكاميرا ليست آلةً لالتقاط الصور، بل نافذةٌ تحفظ ذاكرة المكان، وأن الإعلام ليس منصةً للكلمات، بل جسرٌ يصل بين الإنجاز والناس.
وهكذا يمضي بخطى واثقة، جامعًا بين دقة المهندس، وحس الصحفي، وعين المصور، وروح المتطوع، ليقدم صورةً مشرقةً لجيلٍ سعوديٍ جعل من الكفاءة والإبداع والعمل الميداني عنوانًا لحضوره، ومن خدمة الوطن غايته الكبرى. وفي زمن تتسارع فيه التحولات، يبقى أمثال يحيى مدخلي شاهدًا على أن التنمية الحقيقية تبدأ بإنسان يؤمن برسالته، ويخلص لها، ويترك أثرًا يبقى في الطرق التي أصلحها، والصور التي وثقها، والقلوب التي ألهمها



