من أين يولد الازدراء الاجتماعي؟
كيف يتكون وهْمُ التفوّق في مرايا الناس .
أفي أي خبيئةٍ من خبايا النفس تنعقدُ نواةُ ذلك الشعور المتعالي، فتنتفخُ في الداخل كفقاعةٍ شفافةٍ تُخيل لصاحبها اتساعًا، وتخفي في جوفها اضطرابًا دقيقًا؟ أينبثق من يقينٍ متماسكٍ بالقيمة أم من فراغٍ مُواربٍ يستدعي حوله صورًا مُعظمة ليستر ارتعاشه؟ وكيف تتشكل تلك الرؤية التي تُخضِع الوجوه لمقاييس مُضمرة، فتغدو الأنفسُ درجاتٍ على سلمٍ مُتخيل، يُرتقى عليه في صمتٍ داخلي لا يُعلن عن نفسه؟
أأولُ العهدِ بهذا الشعور يتخلق في الطفولة، حين تُسقى الروحُ بماء المقارنات، فيتشبع الوعيُ الناشئُ بفكرة أن القيمة تُستخرج من التمايُز، وأن التفرد يُبنى على وجود من يُزاح إلى الأسفل؟ كيف تنقلبُ المقارنةُ من أداةِ إدراكٍ إلى أداةِ تصنيف، ومن جسرٍ للفهم إلى ميزانٍ يُجزئ الإنسان إلى مراتب، فيُختزل الكائنُ الحي في رقمٍ ضمن معادلةٍ قاسية؟
ثم كيف يتواطأ النسقُ الاجتماعي مع هذا التشكل الخفي، فيُرسخ الامتياز بوصفه معيارًا أعلى من المعنى، ويُعيد صوغ الوعي الجمعي وفق اعتباراتٍ مُترعةٍ بالظواهر: منزلة، هيئة، إنجاز، انتماء؟ أحين يُكافَأ الاستعلاء في الخفاء، ويُزين في صورة الثقة، كيف يفرق الإدراك بين تماسكٍ ناضجٍ وانتفاخٍ مُضلل؟
أين يتولد وهمُ التفوق؟ أفي فائض امتلاءٍ يُغري بالارتفاع، أم في فجوةٍ داخليةٍ تستدعي الآخرين لتسدها عبر الانتقاص منهم؟ كيف يُقدم المرء على تقليص من حوله كي يتسع لنفسه، فيُسقِط على الآخرين ظلالَ نقصٍ يتسرب من أعماقه، ويصوغ أحكامًا قاطعة تُطمئن صورته عن ذاته؟ أيكون الازدراء درعًا نفسيًّا يُشيد بعنايةٍ حول هشاشةٍ مُضمرة، فيحفظ للذات تماسكها أمام مرآتها؟
ثم ماذا يَصير إليه هذا الشعور حين يستقر في البنية الإدراكية، فيتحول من خاطرٍ عابر إلى نسقٍ مُهيمنٍ يعيد ترتيب الرؤية؟ كيف يتشكل عالمٌ مُنقسِمٌ إلى علُوّ وانحطاط، إلى صفاءٍ وابتذال، وتغيبُ فيه المساحات الرمادية التي تحتمل التعقيد الإنساني؟ وكيف يُفضي ذلك إلى انقطاعٍ دقيقٍ عن جوهر التلاقي، حيث يتوارى الاعتراف المتبادل، ويحل محله تموضعٌ دائم على مدرجٍ وهمي؟
أتفطن النفس في لحظة انكشافٍ نادرة إلى أن التفوق المُشيد على انتقاص الآخرين يظل مُعلقًا بوجودهم، ومشدودًا إلى دوام المقارنة، فيرتجف مع كل تحولٍ في معادلتها؟ كيف يتبدل البصر حين يتسع الوعي، فيرى الإنسان ذاته خارج هذا الميزان، فتتراخى قبضةُ التفاضل وتنبثق إمكانيةُ نظرٍ أرحب؟
أيمكن للذات أن تعيد تأسيس قيمتها على غير هذا الأساس القلق، فتنصرف من طلب العلو إلى طلب المعنى، ومن التشبث بالتميز إلى الانفتاح على الاتساع؟ كيف تتخلق هويةٌ أكثر رسوخًا حين تُبنى من الداخل، وتتحرر من استدعاء الآخر بوصفه شاهدًا على قيمتها؟
إن الازدراء الاجتماعي، في طبقاته العميقة، سرديةُ نفسٍ تتجنب مواجهة ذاتها، فتستعيض عن المصالحة بالارتفاع، وعن الفهم بالتصنيف، وعن الاتساع بالانغلاق في صورةٍ مُعظمة. وحين يبلغ الإدراكُ حدًّا أبعد، تتقوض هذه البنية المتعالية، وينكشف وهمُ التفوق كأثرٍ عابرٍ في مرآةٍ مضطربة، فيغدو الإنسان أقدر على الإبصار: يرى الآخرين عوالمَ مكتملةً في ذاتها، ويرى نفسه ككائنٍ يتشكل بالمعنى، لا بالمقارنة.



