مقالات

قفلة القصص: بين الصدمة والنسمة

صفاء الأحمد (*) 

دار نقاش قبل أيام بيننا – مجموعة من كتاب القصة – حول فنيات القفلة، تباينت الرؤى وتقاربت … ومن وحي ذلك النقاش، خطرت لي فكرة هذا المقال….

تنبع الصدمة الفنية من مقاومة الانصياع لفورات المشاعر التي تحكم الذائقة الجماعية المعاصرة، ومن وعي الكاتب بأن الأثر السردي العميق يُنتَج عبر بناء دلالي منسجم، يحترم منطق النص الداخلي وتدرّج أحداثه وليس عبر المراهنة على الإدهاش وحده.

تُعدّ القفلة – باعتبارها لحظة الذروة السردية – اختبارًا نهائيًا لتماسك البنية السردية وصدقها.

ومن المُحزن معاملتها على أنّها مجال للاندفاع العاطفي فحسب، أو بوصفها مساحة أخيرة لإنقاذ النص عبر صدمة متأخرة.

حين لا تُمنَح القفلة ما مُنح لبنية النص من تمهّل وتشبع نفسي، وتُصاغ استجابةً لتوقعات القارئ أو لإرضاء ما يُسمّى مشاعر الصدمة، تنفصل الصدمة عن سياقها الدلالي، وتُنتَج على حساب المنطق الداخلي للنص.

عندئذٍ تتحول القفلة من نتيجة سردية ضرورية إلى أداة تسويقية، تُراهن على الانفجار الشعوري بدل التراكم البنيوي.

ويُفضي هذا المنحى إلى إفقار التجربة السردية؛ حيث تُختَزل القصة في نهاية ذات كثافة انفعالية عالية تُحدث أثرًا صادمًا ثم تنطفئ.

هذا أشبه بحبّة مفرقعات تُثير انتباهًا لحظيًا دون أن تترك أثرًا مستدامًا في الوعي الجمالي للمتلقي.

تتحقق المتعة الآنية، غير أن الأثر العميق القابل للامتداد والتأمل يغيب أو يتلاشى سريعًا.

في المقابل، تمثل القفلة الهادئة المتسقة نموذجًا مغايرًا في إنتاج الصدمة السردية،

فهي تعمل وفق منطق التراكم البطيء، وتُحدث أثرها عبر الامتداد الزمني بعيدًا عن المباغتة الانفعالية.

يمكن تشبيهها ببركان ساكن؛ لا تلمسه مباشرة، لكنك تراه من بعيد، وتدرك أثره على المدى الطويل، قد تكون صدمته مؤجلة، إلا أنها أكثر رسوخًا واستمرارية في الذاكرة السردية للمتلقي.

نجد هذا النوع من القفلات في قصص تشيخوف، حيث لا يحدث شيء بالمعنى الظاهري، لكن المعنى ينغلق بهدوء موجع، أو في قصة همنغواي (تلال مثل الفيلة البيضاء) حيث تنتهي القصة دون حلّ صريح، لكن القارئ يخرج محمّلًا بثقل القرار الغائب.

هذه قفلات لا تصدم فورًا، لكنها لا تُغادر الذاكرة.

في المقابل، هناك نصوص تقوم بنيتها كاملة على القفلة الصادمة، وتكون فيها الصدمة خيارًا فنيًا مشروعًا وملائمًا للنص وليس عنصرًا مُقحمًا لتسويقه.

 نهايات قصص أو. هنري مثلا القائمة على الانقلاب المفاجئ، تُعدّ أمثلة على قفلات متفجرة نجحت لأنها نابعة من منطق النص ذاته ولم تُفرض عليه.

في هذه الحالات، قد تمتلك القفلة أثرًا لحظيًا وآخر ممتدًا معًا.

بل إن بعض الأجناس السردية، كالقصة القصيرة جدًا، تكاد تتطلب القفلة الصادمة بطبيعتها؛ فهي جنس فقير بالأحداث، قائم على المفارقة والاختزال، وتُبنى قيمته الجمالية غالبًا على لحظة انقلاب واحدة تحمل النص كله.

هنا تصبح القفلة الصادمة ضرورة بنيوية، لا خيارًا تجميليًا.

تكمن الإشكالية إذن في القفلات الانفعالية المنفلتة التي تُغلق على ذاتها، وتمنح النهاية توجّهًا أحاديًا قائمًا على الإثارة الشعورية، في حين أن المشاعر في السرد ليست غاية مستقلة؛ إنّها عنصر مساند للفعل، وحليف للعقل السردي.

فكل قفلة تُقصي المنطق لصالح الانفعال الخالص تُضعف التوازن البنيوي للنص وتحدّ من أفقه التأويلي.

ولا يمكن فصل هذا التوجّه عن السياق الثقافي الراهن، حيث تميل الذائقة المعاصرة إلى استهلاك أنماط تعبيرية سريعة وعالية الانفعالية، كما في مقاطع الفيديو القصيرة (الريلز) التي تُفضّل الاستثارة الآنية على بناء الإحساس العميق والدائم.

غير أن هذا التحوّل يضعنا أمام مسؤولية جمالية مضاعفة. 

من هنا تكتسب القصة والرواية دورهما بوصفهما فضاءين لإعادة الاعتبار للتأمل والتراكم النفسي، ومقاومة منطق الانبهار السريع.

وعليه، فإن القفلة الناجحة ليست لحظة انفجار انفعالي فحسب؛ إنّها لحظة انكشاف دلالي.

وما لا يترك أثرًا يتجاوز لحظة التلقي، لا يمكن عدّه نهاية سردية مكتملة.

………..

(*) كاتبة وقاصة أردنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com