لماذا يهرب الكتّاب إلى الطفولة في مذكّراتهم؟

حياة الرايس
منذ صغري كنتُ مغرمةً بالكتب والقراءة، وكنتُ مولعةً بالكتّاب وحياة الكتّاب؛ أتَلصّص عليهم في المجلات، وفي الحوارات التي تُجرى معهم، وأقتفي آثارهم في كل مكان، وأحاول الاقتداء بهم والتشبّه بهم وتقليدهم، وكانوا مثلي الأعلى في كل شيء… ووجدتُ أنهم، عندما يكتبون مذكّراتهم ويوميّاتهم وسِيَرهم الذاتية، يعودون في كل ذلك إلى الطفولة. ورأيتُ أنه عندما يُحاوَرون أو تُجرى معهم اللقاءات الصحفية، كثيرًا ما يُسألون عن نشأتهم وطفولتهم والبيئة التي ترعرعوا فيها…
ولمّا كنتُ أنوي في سرّي، ومبكّرًا جدًا، أن أصبح كاتبةً مثلهم، وجب أن أهيّئ نفسي منذ الصغر لمثل هذه الحوارات وكتابة المذكّرات. وكنتُ أظنّ أنهم يكتبون كلّ شيء مرّ عليهم في طفولتهم — بأمانة — وبهرتني الدقّة التي يصفون بها بعض الأحداث أو بعض المواقف والتفاصيل الصغيرة التي لا ينسونها… وكنتُ أعتقد أن المذكّرات يجب أن يتذكّر الكاتب فيها كلّ شيء…
وخفتُ، خفتُ كثيرًا، أنني إذا كبرتُ وأصبحتُ كاتبةً ربما نسيتُ بعض هذه التفاصيل أو نسيتُ جزءًا كبيرًا من طفولتي… وحينها سأُحرَج أمام القرّاء وأمام الصحفيين المحاوِرين. واحتياطًا لهذا الأمر اشتريتُ دفترًا صغيرًا، أفتحه كل ليلة عندما آوي إلى فراشي، أدوّن فيه كلّ ما فعلتُ في ذلك اليوم، ثم أضعه تحت مخدّتي وأنام، وتراكمت الدفاتر التي ما زلتُ أحتفظ بها إلى الآن.
وكان ذلك حملًا ثقيلًا بالنسبة لطفلة لم تتجاوز السابعة أو الثامنة من العمر. ولكن ماذا أفعل إن كنتُ أريد أن أصبح كاتبةً مثل — الكتّاب الكبار —؟ لا بدّ أن أتعب مبكّرًا.
وعندما كبرتُ أكثر وبدأتُ أتغلغل أعمق في عوالم الكتّاب ومذكّراتهم ويوميّاتهم وسِيَرهم الذاتية، اكتشفتُ أنهم لا يكتبون كلّ شيء، وأنهم يختارون ما يريدون البوح به، وأنهم إنّما يهربون إلى عالم الطفولة، إلى البراءة الأولى، خوفًا من كشف أسرار حياتهم الخطيرة.
ثم فهمتُ أكثر أن الكاتب العربي، مثله مثل أي مواطن عربي، يعيش حياتين: إحداهما في السرّ، والأخرى في العلانية، وأنه لا يريد أن يكشف أوراق حياته الخاصة على الملأ.
وينسى أن تجربة الكاتب الحياتية هي تجربة بشرية، لها من الهنات والسقطات والضعف والفشل ما لكلّ البشر. فلماذا التستّر إذًا؟ أم أن الكاتب إنسان مثالي معصوم من الخطأ؟ وهو ما يحاول معظم كتّابنا إظهاره لنا، وبذلك يخرج من طينة البشر، إلا قِلّة يُعدّون على الأصابع.
وإذا باح الكاتب بكلّ شيء، هل سيقبل المجتمع صراحته؟ أم إنه سيدفع الثمن غاليًا، خاصة إذا كان امرأة؟
وأنا عندما كتبتُ مذكّراتي في روايتي السيرية «بغداد وقد انتصف الليل فيها»، هل قلتُ كلّ شيء؟



