عندما يُختزل الكرم ويغيب الجوهر.

محمد بن مسعود العُمري:
ما نشهده اليوم من مبالغات في التغطيات الحيّة المنقولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما في ضيافات بعض المجالس، يثير كثيرًا من التساؤلات. فالمباهاة، وتبادل الدعوات على نحوٍ استعراضي، باتا يُقدَّمان بوصفهما من صلب الكرم، بينما الواقع في كثيرٍ من هذه المشاهد لا يمتّ بصلةٍ إلى آداب الكرم كما استقرّت في وجدان المجتمع.
مشهدٌ يرهق السمع قبل البصر، ويضعنا بين ضجيجٍ متصاعد، حيث يعلو الصوت ويغيب جوهر الكرم؛ واستُبدلت روحه بمظهرٍ لا معنى له، فغاب الوقار، وتراجع الإحساس الصادق بالضيف، وحلّ محلَّه هاجس الظهور وتسجيل اللقطات، حتى بات بعض الحضور أقرب إلى جمهورٍ لمشهدٍ عابر منه إلى ضيفٍ مُكرَّم.
والكرم، كما عرفه الناس وتوارثوه، لم يكن يومًا فعلًا منفصلًا عن الشعور بالآخر، بل كان امتدادًا طبيعيًا للعلاقة الإنسانية نفسها. هو ذاك السلوك الذي لا يحتاج إعلانًا ليُدرَك، ولا ضجيجًا ليُحترم؛ كرمٌ ينشأ من العِشرة، ويكبر بالبساطة، ويثبت حين يكون نابعًا من صدق النية لا من وفرة المظاهر.
وقد أحسن الشاعر حين لخّص هذا المعنى بقوله:
“فَإِنَّ لِتِلْكَ الْمَجَالِسِ قَدْرًا
وَأَنْتَ اللَّبِيبُ وَمَنْ قَدْ رَعَى”
فالمجالس تُعرَف بأهلها، وتُحفظ بسمت روّادها، لا بما يُلتقط فيها من صور، ولا بما يُضخّم حولها من مظاهر.
ومع ذلك، فإنّ الإنصاف يقتضي القول إنّ المشهد ليس واحدًا في كل مكان. فما زالت هناك مجالس حافظ أهلها على وقارهم، وعلى سكينةٍ تسبق الضيافة نفسها؛ مجالس لا تُستدعى فيها الكاميرات، لأنّ الكرم فيها يُمارَس على سجيته، بلا تكلّف ولا ادّعاء. كرمٌ يُشعر الضيف بالاحترام قبل الامتلاء، ويمنحه الاحترام قبل أن يمدّ يده.
إنّ الحاجة اليوم ليست إلى مزيدٍ من الدعوات، ولا إلى تضخيم الموائد، بقدر ما هي حاجة إلى استعادة المعنى. فالقيم لا تُقاس بحجم ما يُعرَض، بل بصدق ما يُقدَّم. وحين يعود الكرم إلى بساطته الأولى، سيعود أثره أعمق، وأبقَى، وأصدق حضورًا في النفوس.
فلنتأمّل هذا الحديث الشريف:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ”
ختامًا:
إنّ استعادة روح الكرم، والالتزام بآدابه الأصيلة، مسؤولية جماعية تبدأ بالوعي وتنتهي بالفعل. فالمجالس الحقيقية، بعطاءها الصادق وبساطتها العميقة، هي التي تخلّد أثرها في النفوس، وتترك ذكريات صافية تفيض بالود والاحترام، بعيدًا عن ضجيج المظاهر وصخب التغطيات.



