مقالات

الطنبوري على شواطئ البلطيق

بقلم: محمد بن ربيع

 والطنبوري – رحمكم الله – شخصية متخيّلة من شخصيات السرد العربي القديم، صاحب الحذاء المشهور في القصة التي تستوطن ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة تحت عنوان: حذاء أبي القاسم الطنبوري، ذلك الحذاء العتيق الذي أصبح يزن أربعة أضعاف وزنه الأول لكثرة ما لحق به من ترميم وترقيع.

مأساة الطنبوري أن حذاءه بات مشهوراً، يعرفه كل الناس، من أقصى بغداد إلى أقصاها، وفي كل مرة كان يحاول فيها التخلص منه كان هناك من يعيده إليه، مما جعل الأحداث الجسام تتوالى بتوالي محاولات التخلص من الحذاء، ومبادرات فاعلي الخير بإعادته لصاحبه.

كانت فاتحة كوارث هذا الحذاء عندما ذهب إلى أحد حمامات المدينة ليصبح نظيفاً أنيقاً بعد أن وسّع الله عليه في تجارته الجديدة، تجارة العطور. في الطريق قابله صديق من جيرانه فقال له: إذا غدوت نظيفاً أنيقاً فيجب عليك ألا تستبقي هذا الحذاء البالي، من دواعي الأناقة يا أبا القاسم أن تغيّره بحذاء جديد. ضحك أبو القاسم الطنبوري خجلاً ووعد صديقه خيراً.

عندما خرج من الحمام وجد حذاءً جديداً بجوار حذائه، بادر إلى ارتدائه وهو يضحك جذلان فقد ظنّ أن صديقه الذي حدثه قبل قليل قد جلب له هذا الحذاء الجديد دون أن يخبره تواضعاً منه. وفي حقيقة الأمر فقد كان الحذاء للقاضي، الذي دخل الحمام بعد أبي القاسم الطنبوري، وعندما خرج لم يجد حذاءه ووجد حذاءً بالياً مكان حذائه. غضب القاضي ونادى الحمّامي الذي تعرف على حذاء الطنبوري فوراً، وفوراً طلب القاضي من رجال العسس أن يتحققوا من الأمر وقد وجدوا حذاء القاضي في بيت أبي القاسم بالفعل. حاول الطنبوري أن يشرح الحال لكن لم يستمع إليه أحد فتمّ جلده وتغريمه غرامة ثقيلة.

بعد هذه الحادثة باهظة الثمن حمل أبو القاسم حذاءه وألقى به في النهر، غير أن صياداً قد عثر عليه في شباكه فتعرف عليه فأخذه وذهب من ساعته لبيت أبي القاسم. ولما لم يجد أبي القاسم في الدار فقد رأى أن يرميه من شباك مفتوح، ويا لها من كارثة أخرى حيث لم يكن ذلك الشباك سوى شباك الغرفة التي يرتب فيها الطنبوري زجاجات العطر فحطمها الحذاء.

وهكذا تتابعت الكوارث، التي تباين عددها بين رواية وأخرى، كما تباينت نسبتها إلى ألف ليلة وليلة بين طبعة وأخرى، لكن الذي لفت انتباهي حقاً هو عناية الكاتب المسرحي السويدي أوغست ستراندبيرغ (1849–1912) بهذا النص فعمل على مسرحته بكفاءة عالية حافظ فيها على القصة وشخصياتها ورهاناتها وكوارثها.

لم يكن اختيار ستراندبيرغ لحكاية حذاء أبي القاسم مصادفة ولا حلية استشراقية، بل لأنها تلتقي مع هواجسه العميقة: القدر العبثي الذي يلاحق الإنسان رغم حسن نيته، سلسلة الأخطاء الصغيرة التي تتحوّل إلى كارثة وجودية، سحق الفرد داخل منظومة قانونية / اجتماعية عمياء، مفارقة أن الشيء التافه (حذاء أو نعل بحسب الثقافة السويدية) قد يصير مركز المأساة، وهذه الثيمات هي قلب مشروع ستراندبيرغ، لا هوامشه.

وبمناسبة الحديث عن الحذاء في العربية وكيف اختار ستراندبيرغ مفردة نعل بدلاً منها، فالحذاء في المخيال العربي اسم جنس لكل ما تحتذيه القدمان، ومنه الحذاء والنعل والقبقاب والخف، أما السويدية فكلمة حذاء لا تعني النعل أبداً، وحذاء أبي القاسم الطنبوري في حكايته أقرب إلى النعل منه إلى الحذاء في السويدية.

بقيت لي إشارة إلى ترجمة عربية صدرت في عام 1971 عن وزارة الثقافة في سوريا واقتنيتها في العام الذي يليه من مكتبة الثقافة بمكة المكرمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com