«هجرة»: الاقتصاد الثقافي من منظور سردي

د. نوف بنت عبدالعزيز الغامدي
تتحول السينما السعودية اليوم إلى واحدة من أهم النوافذ لفهم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها المملكة؛ فلم تعد الأفلام مجرد ترفيه بصري، بل غدت مرآة لأسئلة الهوية وتحولات القيم وحوار الأجيال. وفي هذا الإطار، يطلّ فيلم «هجرة» بوصفه عملًا يعبر حدود السرد العائلي ليلامس العمق الإنساني للمكان والذاكرة والأسرة والاقتصاد الثقافي.
يختلف «هجرة» عن كثير من موجات السينما العربية التي تناولت موضوع الهوية من بوابة الصراع مع الآخر أو الهزائم الجماعية؛ إذ لا يبحث عن نفسه في الموانئ البعيدة ولا في المنافي الأوروبية، بل على طريق الحج بين الطائف ومكة، في سيارة تضم جدةً وحفيدتين تحاول كل واحدة منهن أن تعيد ترتيب علاقتها بالماضي والحاضر. هنا لا تُصاغ الهوية عبر خطاب أيديولوجي أو مواجهة مباشرة مع الخارج، بل تتشكل بهدوء داخل حوار الأجيال، في حكاية تُروى على مهل عن قطار قديم صار ركامًا، وعن هجرة قديمة من طاشكند، وعن جمل «لا ينسى» يصبح مستودعًا رمزيًا للذاكرة والوفاء. في هذا المناخ تبدو الهوية السعودية التي يقترحها الفيلم أقل انشغالًا بردّ الفعل وأكثر اهتمامًا بكيف تعيش ذاتها في قلب تحوّل اقتصادي وثقافي عميق، حيث تتحول الذاكرة العائلية من عبء نوستالجي إلى رأس مال معنوي يساعد على الدخول إلى المستقبل بثبات.
في هذا السياق، يتعامل «هجرة» مع الهوية بوصفها تجربة معيشة أكثر من كونها شعارًا نظريًا أو صراعًا مباشرًا مع الآخر؛ فلا يطرح سؤال «من نحن؟» عبر خطابات سياسية أو مقارنات حادة مع الغرب، بل ينسجه في تفاصيل الحياة اليومية: جدّة تحمل ذاكرتها من طاشكند إلى مكة، حفيدة تبحث عن ذاتها بين الفقد والفضول، وطفلة تكتشف العالم عبر جمل «لا ينسى» وسماء تُقرأ بالنجوم لا بالشاشات. تتشكل الهوية هنا في مسافة التبادل بين الأجيال، وفي الطريقة التي يُعاد بها سرد الماضي كي يُفهَم الحاضر؛ هوية لا تُختزل في قومية أو جغرافيا أو ورق رسمي، بل في تراكم الخبرة والعاطفة والعلاقات، وفي قدرة الشخصيات على أن ترى نفسها داخل مجتمع يتحرك بسرعة من دون أن تفقد صلتها بجذورها. بهذا يقدّم «هجرة» هوية سعودية أكثر رحابة، تعترف بالتعدد داخل البيت الواحد، وترى في الذاكرة رصيدًا يُستثمر للمستقبل بدل أن يبقى حنينًا معلّقًا للماضي.
في جوهر الفيلم، لا تقف الحكاية عند حدود رحلة حج تقليدية، بل تمتد إلى رحلة داخل الزمن والذاكرة المشتركة؛ في المركز تقف الجدة «ستّي» كرمز لجيل كان يقرأ النجوم ليستدلّ بها على الطريق، ويفهم الصحراء قبل أن تُقرأ المدن عبر الشاشات. ليست هذه معرفة تقنية فحسب، بل لغة يتوارثها جيلان؛ تتعلم الطفلة «جنى» من جدتها كيف يُقرأ العالم بتأمل، وأن الليل ليس عتمة بل خريطة لمن يرى ببصيرة.
تكتسب الرحلة بعدًا أكثر عمقًا حين تتحوّل من أداء شعيرة إلى بحث عن المعنى بعد اختفاء «سارة»، الحفيدة الكبرى؛ هنا تروي الجدة رحلة هجرة طويلة من طاشكند إلى دمشق وصولًا إلى مكة، فتتحول القصة من ذكرى إلى هوية حيّة. وعندما تمر الجدة أمام قطار قديم متروك في الصحراء، يتوقف الزمن لحظة؛ فبينما يراه الآخرون خردة، تراه هي أثرًا ماديًا لذاكرة كاملة، وفي تلك اللحظة يرصد الفيلم الفارق بين من يعيش الحاضر فقط ومن يرى في كل مشهد امتدادًا لذاكرة وتجربة.
وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم رمزية، ترى الجدة أن «الطب اختزل نفسه في الكي بالنار»، في إشارة إلى زمن كانت فيه الخبرة الإنسانية جزءًا من الطبّ، والحياة لا تُفهم إلا بالصبر والتحمّل. في المقابل، تُقدَّم علاقة «جنى» الصغيرة بالجمل كرمزٍ للتواصل الصامت مع الطبيعة؛ فحين تؤمن بأن «الجمل لا ينسى»، تختصر الطفلة مفهوم الذاكرة والوفاء والصمود في عبارة واحدة، لتذكّر أن الحكمة قد تولد من البراءة مثلما تولد من التجربة.
على الجانب الآخر، يتقاطع هذا البعد الإنساني مع تحوّلات الاقتصاد الثقافي في المملكة؛ فقد تحوّلت الصناعة السينمائية من نشاط هامشي إلى قطاع واعد ضمن الرؤية الثقافية والاقتصادية الجديدة. ووفق تقارير صناعة الأفلام لعام 2024، بلغت إيرادات شباك التذاكر نحو 845.6 مليون ريال سعودي (225.4 مليون دولار) عبر أكثر من 17.5 مليون تذكرة، مع توسّعٍ في عدد الشاشات ليصل إلى 630 شاشة عرض في 64 موقعًا بمختلف المناطق، مع توقعات بأن يتجاوز حجم القطاع 950 مليون دولار بحلول 2030 بمعدل نمو سنوي يقارب 8.5%.
داخل هذا المشهد المتوسع اقتصاديًا، يقدّم «هجرة» أيضًا قراءة اجتماعية لطبقة أخرى من الهوية من خلال شخصية السائق “أحمد”؛ شخصية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف حضور فئة واسعة من غير السعوديين الذين عاشوا في المملكة منذ طفولتهم أو لسنوات طويلة، حتى أصبحت تفاصيل الحياة اليومية فيها جزءًا من تكوينهم الوجداني. في الفيلم، لا يُقدَّم السائق كغريب عن المكان، بل كشخص يعرف الطرق والعادات وله علاقة حميمة بالمسار وبالعائلة، كأنه «سعودي بالخبرة» لا بالهوية القانونية. هذا الحضور يلمّح إلى أن الهوية في السعودية المعاصرة لم تعد حكرًا على تعريف واحد مغلق، بل شبكة من الانتماءات المتجاورة؛ سعوديون ومقيمون يشتركون في العيش والعمل والذكريات، ويتقاطعون في الفضاء الاجتماعي نفسه، حتى لو اختلفت أوراقهم الرسمية. بهذه الإشارة الهادئة، يضيف «هجرة» طبقة أخرى لقراءته للهوية، ليقدّمها بوصفها نسيجًا مشتركًا أكثر منها حدودًا ثابتة بين «نحن» و«هم».
في الجوهر، لا يتناول «هجرة» الحج كركن ديني فقط أو إطار فلكلوري، بل يوظفه كرمز لالتقاء التجارب الإنسانية في نقطة واحدة: النية في التغيير، والتضحية في سبيل الذات، والرحلة كمسار للتحوّل الداخلي. ورغم أن طقوس الحج تمثل فعلًا جماعيًا يذوب فيه الجميع في ثوب واحد، فإن الفيلم يستثمر هذا السياق ليطرح أسئلة فردية عن الحرية والمسؤولية والهوية؛ كيف يمكن لشخصيات مختلفة الخلفيات أن تعيد تعريف ذاتها داخل طقس يوحّد الجميع شكليًا لكنه يوقظ في كل فرد رحلة خاصة به إلى الداخل.
وسط هذا المشهد المتنامي، تأتي أفلام مثل «هجرة» لتؤكد أن السينما ليست مجرد منتج فني، بل مشروع اجتماعي وثقافي واقتصادي؛ فالفيلم يروي قصة أسرة، لكنه في الحقيقة يحكي قصة مجتمع يتحرك نحو وعيٍ جديد بذاته وذاكرته. وبين حنين الجدة إلى قطارٍ قديم ويقين الحفيدة بأن الجمل لا ينسى، تتشكل فكرة مفادها أن الثقافة ليست ترفًا، بل رأس مال حيّ يلهم الحاضر ويبني المستقبل.
وعلى المستوى الدولي، واصل الفيلم تألقه بحصوله على جائزة NETPAC لأفضل فيلم آسيوي في الدورة الـ82 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2025، إلى جانب جائزة لجنة التحكيم «يسر» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي 2025، واختياره لتمثيل المملكة في فئة أفضل فيلم دولي ضمن جوائز الأوسكار الـ98 لعام 2026، ما يعزز حضور السينما السعودية على خريطة السينما العالمية.
في نهاية المطاف، لا يقدّم «هجرة» إجابات جاهزة، بل يفتح باب التساؤل والتأمل؛ الرحلة التي بدأت في الطريق بين المدن تنتهي داخل الشخصيات، فالجدة تكتشف أن الماضي لا يُستعاد إلا حين يُروى، والحفيدة تدرك أن الحاضر لا يُفهم من دون جذوره. ومن خلال رمزية الحج، تتحول الرحلة من طقسٍ إلى تجربة؛ من النية إلى المسير، ومن الفقد إلى التعلّم، ومن التعلّم إلى العيد، ليقدّم «هجرة» قصةً عنا — عن تحوّل السعودية الحديثة نحو هوية أكثر رحابة وإنسانية، ترى في الذاكرة قوةً للمستقبل لا عبئًا من الماضي.



