عند تقاطع الشارع

هيفاء علي نور الدين
قصة قصيرة
كانت تقف عند تقاطع الشارع نفسه كل صباح، لا لأنها تحب الزحام، بل لأن هذا هو الطريق الوحيد إلى العمل. إشارة ضوئية متعبة، بائع قهوة متنقل، وحافلتان تتوقفان في الوقت الخطأ دائمًا. المكان لا يحمل معنى خاصًا، ومع ذلك كانت تشعر أن شيئًا ما يحدث هنا أكثر مما يحدث في أي مكان آخر.
في ذلك الصباح، تعطلت الإشارة. توقفت السيارات على غير نظام، وتقدّم شرطي شاب مرتبك يحاول ترتيب الفوضى بإشارات يد سريعة. تأخرت الحافلة، فتجمّع الناس على الرصيف: موظفون، طالبة تمسك كتابًا مفتوحًا، رجل يحمل كيس خضار، وامرأة عجوز تتكئ على عصا.
رأت الرجل أولًا من ظهره. معطف رمادي، وقفة مألوفة، يد في الجيب. لم تحتج إلى أكثر من ثانية لتعرفه. لم تره منذ سبع سنوات، منذ ذلك المساء الذي انتهى بعبارة قصيرة عند باب بيتها: “خلّينا نوقف هنا.” وقتها هزّت رأسها فقط، ولم تسأله لماذا.
تقدّم خطوة، ثم استدار فجأة، والتقت عيونهم. لم يبتسم، ولم تفعل. كانت لحظة عادية جدًا، كأنهما شخصان يعرفان بعضهما معرفة سطحية، لكن قلبها تحرّك حركة صغيرة، مؤلمة، مثل شدّ خيط قديم.
قال:
– صباح الخير.
قالت:
– صباح النور.
لم يعرفا ماذا يضيفان. الإشارة ما زالت معطلة، والشرطي يصرخ في السيارات، وبائع القهوة ينادي على زبون متردد. قالت، فقط لتملأ الفراغ:
– يبدو أنهم سيأخذون وقتًا.
هزّ رأسه:
– دائمًا هنا.
سألها عن العمل، فأجابت بإيجاز. سألته عن المدينة، قال إنها لم تتغير كثيرًا. لم يسأل أحدهما عن الآخر حقًا. كانت الأسئلة آمنة، بعيدة، لا تمسّ ما يجب ألا يُفتح.
فجأة، تعثرت العجوز وسقطت العصا. انحنى الرجل سريعًا، سبق الجميع، وأمسك بذراعها. ساعدها على الوقوف، التقط العصا، وتأكد أنها بخير. شكرته بصوت واهن. عاد إلى مكانه، ونظر إليها نظرة قصيرة، كأنها تقول: ما زلت أفعل هذا.
تحركت السيارات أخيرًا. أضاءت الإشارة الخضراء للمشاة. قال:
– يجب أن أذهب من هنا.
قالت:
– نعم.
لم يقل وداعًا. خطا خطوة، ثم توقف. التفت وسأل، وكأنه يتذكر أمرًا متأخرًا:
– هل أنتِ بخير؟
لم تكن تعرف ماذا يعني سؤاله، ولا ماذا يجب أن تجيب. قالت:
– نعم… في الغالب.
ابتسم ابتسامة صغيرة، غير مكتملة، ثم عبر الشارع مع الآخرين. عبرت هي في الاتجاه المعاكس. عند منتصف التقاطع، التفتت دون قصد. كان قد وصل إلى الرصيف الآخر، توقف لحظة، ثم واصل السير دون أن ينظر خلفه.
عادت الإشارة للعمل. عاد الشارع إلى فوضاه المعتادة. أكملت طريقها إلى العمل، متأخرة عشر دقائق. جلست إلى مكتبها، فتحت الحاسوب، وبدأت يومها كأي يوم آخر.
لكنها، كلما سمعت صوت السيارات أو رأت ضوءًا أخضر، تذكّرت أن بعض الأمور لا تحتاج إلى مواجهة، وأن تقاطعات الشوارع، مثل العلاقات، لا تمنحنا دائمًا فرصة للعودة… فقط فرصة للمرور.



