ثقافة وفن

الهروب ..

هيفاء علي نور الدين

قصة قصيرة

امرأة تفكّر في الهروب
أُصيبت بانهيار مفاجئ في صباح الخميس.
لم يكن أحد في البيت سوى زوجها الذي نام مبكرًا.
أصوات الشوارع كانت صاخبة كالعادة، لكنها لم تشعر بها، كانت عالقة بين الغضب والملل، بين الرغبة في البقاء والرغبة في الهرب.
ذهبت إلى المطبخ وأخرجت علبة البسكويت القديمة من الخزانة التي كانت تحتفظ بها منذ أيام العمل الأولى بعد الزواج، كأنها قطعة من عالم آخر، عالم لم يعرفه أحد سواها.
أخذت قطعة بسكويت، وأحست بطعم مرّ، كأن السكر لم يكن موجودًا فيه، كأن كل شيء في حياتها فقد طعمه.
وصل صوت الهاتف، كان والدها، يسأل عن خططها لعطلة نهاية الأسبوع.
ترددت، ثم تركته يرن.
لم تعد تملك القوة لتكذب، ولا لتشرح، ولا لتبتسم.
كان كل شيء ضاغطًا عليها: البيت، الزوج، رائحة الطعام، صوت الشوارع، حتى علبة البسكويت في يدها شعرت بثقل لا يُحتمل.
خرجت من البيت تحت ذريعة شراء شيء من الدكان، لكنها لم تتجه للدكان.
سارت في الشارع، تشاهد الأطفال يلعبون، النساء يحملن حقائب ثقيلة، والرجال يتجادلون بصوت عالٍ، وكأن المدينة نفسها تعيش دون أن تنتظرها.
رأت إعلانًا على جدار ممزق: فرصة عمل في بلد آخر.
توقفت.
حسّت بغصة في الحلق، لا تعرف إن كانت خوفًا أو أملًا.
عرفت أن الهروب ليس مجرد فكرة، بل احتمال يلوح في حياتها لأول مرة منذ سنوات.
عادت إلى البيت بعد ساعة، لم تشترِ شيئًا سوى علبة بسكويت.
جلست على السرير، أمام الحقيبة القديمة، تفكر.
سمعت خطوات زوجها يقترب.
نظر إليها، نظر إلى الحقيبة، ثم إلى علبة البسكويت.
— مسافرة؟
سأل.
هزّت كتفيها، بلا جواب.
كان جوابها في علبة البسكويت، في الحقيبة، في السكون بينهما، في هذا الصمت الذي يكشف كل شيء.
في الليل، لم تهرب.
لكنها جلست عند النافذة، تراقب المدينة، تأكل بسكوتة تلو الأخرى،
وتشعر لأول مرة منذ سنوات أنها ما زالت موجودة،
أن هناك مساحة صغيرة لن يستطيع أحد اقتحامها،
مساحة تُشبه الحرية.
وفي اليوم التالي، بينما خرجت لتسليم أوراقها للعمل،
أمسكت رقم الإعلان، وكتبت رسالة قصيرة:
أنا مهتمة.
ثم مسحت الرقم.
ابتسمت لنفسها، بصمت،
واعترفت: الهروب الحقيقي يبدأ بفكرة، ويستمر بجرأة بسيطة… فقط أن تُقدّم على الخطوة الأولى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com