ثقافة وفن

“على أطراف الأصابع” لـ مرڤت أبو العينين .. الجسد والذاكرة في مواجهة القهر

قراءة: ناديا كعوَش

نحن أمام عمل أدبي لا يكتفي فقط بسرد المأساة الفلسطينية كحوادث تاريخية، لكنه يفتح فضاءً يكشف العلاقة المعقدة بين المرأة والسلطة الأبوية، وبين الجسد والذاكرة، وبين اللغة والهوية، موضحًا كيف يُنسج القهر يوميا في تفاصيل الحياة الصغيرة. نوفيلا على أطراف الأصابع للكاتبة مرڤت أبو العينين (٢٠٢٥، دار المصري)

تقدم قراءة إنسانية للتجربة الفلسطينية، حيث تتقاطع المأساة الوطنية مع القهر الجندري في نسيج واحد. من منظور نسوي يتضح أن القضية الأنثوية ليست هامشا مضافا إلى السياق الوطني، إنها قلبه النابض حيث يصبح الجسد الأنثوي أول أرض تُصادر، وأول صوت يُطلب منه الصمت.

تتقدم خضرة في النص بوصفها راوية عليمة متعاطفة مع ذاتها ومع العالم الذي تعيشه، تروي الأحداث من موقع معرفة شاملة بالتجربة، وتتخذ من التبئير الداخلي أداة أساسية للسرد، فتمنح القارئ صوتا أنثويا عميقا دون الانزلاق إلى خطاب مباشر أو تقرير أيديولوجي، ومن خلال هذا الصوت، تتشكل المفارقة الساخرة في تحويل عيب النطق من مسألة لغوية هامشية إلى عائق وجودي كامل.

بهذه الصياغة تصبح خضرة هي الصوت السارد، ويظل الوعي العليم ناتجا عن استرجاع وتجربة ومعرفة متراكمة، لا عن راو خارجي منفصل. اللدغة بحرف السين واللسان المتلعثم هو جوهر الصراع، لأن الصوت الأنثوي منذ الطفولة مهدد، ومعرض للسخرية والعقاب، فنجد ذلك في إدراك خضرة المبكر أن الضحك في الصف ليس بريئا، وأن الاختلاف في النطق قد يتحول إلى وصمة اجتماعية، هنا يتقاطع القمع اللغوي مع القمع الجندري، فالكلام ذاته يصبح خطرا.

بالنسبة للشخصيات النسائية الأخرى وإعادة إنتاج القمع، نجد صفية أم خضرة، ليست شخصية شريرة، هي نموذج للمرأة التي تم تطبيع القمع داخل وعيها، خوفها على ابنتها يتحول إلى أداة ضبط، «لقد عقدت صفية العزم على أن تضاعف يقظتها تجاه ابنتها، وتجعلها في حمى من الخطر»، الخطر هنا ليس الاحتلال، الخطر هو جسد خضرة ذاته، بهذا المعنى تتحول الأم من ضحية إلى حارسة للنظام الأبوي.

أما فريحة (صديقة خضرة) فتمثل الوعي النسوي المروض حيث ترى الخلاص في الزواج، وتعتبر التعليم ترفا. حوارها مع خضرة يكشف تصادما بين حلمي نجاة بشكلين مختلفين حين تقول: «الإنتاج سيأتي لك من قبل الشخص المحظوظ، والتقدير في أن تنالي رضا الرجل»، فريحة هنا لا تتحدث عن قناعة فردية فقط، هي تنطق باسم بنية اجتماعية كاملة، والنقد النسوي في هذا السياق لا يدين فريحة، لكنه يكشف محدودية الخيارات التي صُنعت لها.

أما لو نظرنا إلى الشخصيات الذكورية، سنجدها مبنية كأداة سلطوية، محمود أخو خضرة، مثال صارخ على ذلك: «محمود هو من يتحكم في قراراتها»،
تكشف هذه الجملة طبيعة العلاقة دون مواربة، فالسلطة هنا لا تحتاج إلى تبرير، هي مفروضة بوصفها قانونا حياتيا. أما الأب رشاد يمثل المرجعية الصامتة، الحضور الذي لا يعارض، فيكرس القرار الذكوري عبر السكوت.

نرى في العمل مشهد البلوغ وهو من أكثر المشاهد قسوة وجمالا، الدم الذي يعني الحياة في الطبيعة، يتحول إلى دليل إدانة في الجسد؛ وصف الفستان كمسرح جريمة يحوّل الأنثى إلى متهمة دون ذنب. هذا المشهد يؤسس نفسيا لكل خوف لاحق من الجسد، من الحركة، من الصوت، «جسدها ليس ملكها وحدها، بل هو ملك لمن سيتزوجها فقط»، هذه العبارة تلخص فلسفة النص النسوية، الجسد مؤجل، مصادَر، مرهون بقرار رجل غائب.

العمل ينجح في بناء توازٍ دلالي عميق بين خضرة وفلسطين، فكما تُمنع خضرة من المدرسة، تُمنع العائلة من العودة إلى بيتها وكما يُراقَب جسد الأنثى، تُراقَب الأرض، «نزعت السلسلة الأخيرة من عنقها»، من خلال هذه العبارة نجد أن المرأة تقدم ذهبها للوطن، في حين لا يعيد لها المجتمع حقها في الاختيار.

جاءت لغة العمل مشحونة حسية، تعتمد على التفاصيل اليومية، الطعام والروائح والأصوات، والمفتول والزعكوك والحلبة كل ذلك لم يكن زينة لغوية، لكنه ذاكرة مقاومة، والمكان ما هو إلا كائن حي، فدير ياسين والبيت المصادَر والمدرسة والمكتبة، كلها فضاءات صراع مشحونة بالمعنى، فالبيت ليس مأوى فقط، هو هوية، ولهذا يتحول اغتصابه إلى جرح وجودي:
«كما تحبون بيتكم، أنا أيضا أحب بيتي»، يضع المكان في مستوى الشعور الإنساني الأولي وهو الحب، ويكشف أن اقتلاع الإنسان من مكانه هو اقتلاع للذاكرة والذات معا.

الزمن في النص يبدأ من عام 1968، من لحظة اقتلاع متأخرة لمجزرة لم تنته آثارها، ثم يعود إلى البدايات الأولى، حيث الطفولة، اللعب، المدرسة، ليعود في النهاية إلى النقطة نفسها، المنع، الخسارة، الإقصاء. هذا البناء الزمني يوحي أن ما يتغير هو الأعمار وليس المصائر.
الماضي لا يمضي، والمستقبل مؤجل، خضرة تولد داخل خسارة سابقة، كما تولد فلسطين داخل نكبة لم تُغلق، وكأن الكاتبة تقول إن التاريخ حين لا يُفكك يعيد إنتاج نفسه على الأجساد ذاتها.

اعتمدت الحبكة على التراكم لا على الحدث المفاجئ، لا توجد ذروة صاخبة، إنما سلسلة من الانكسارات الصغيرة، منع من المدرسة، مراقبة الجسد، سخرية لغوية، سلطة الأخ، صمت الأم، هذه البنية تخدم المنهج النسوي بذكاء، لأنها تقول إن قهر المرأة لا يحدث دفعة واحدة، هو بناء بطيء، يومي، اعتيادي.

الإسقاطات في النص كانت بنية دلالية عميقة، إذ تُكتب خضرة على صورة فلسطين لا على مستوى الشعار، وإنما في جوهر التكوين؛ لسانها المتلعثم يقابل الرواية الفلسطينية المشوهة، وجسدها المراقب يشبه الأرض المحاصرة، ومنعها من التعليم يوازي منع العودة، بينما يعكس صمتها القسري الصمت المفروض على الذاكرة، حتى الشخصيات المحيطة بها تؤدي أدوارا إسقاطية واضحة، فصفية تمثل مجتمعا مأزوما يحتمي بالتقاليد خوفا من الانهيار، ومحمود يجسد سلطة داخلية تعوض عجزها السياسي بالقمع، وفريحة تعبر عن وهم النجاة الفردية داخل واقع مغلق.

الثيمة المركزية تتمحور في قهر المرأة داخل مجتمع متأزم، وقهر الوطن تحت الاحتلال، تتفرع عنها ثيمات أخرى كالجسد بوصفه ساحة صراع، والتعليم بوصفه فعل مقاومة، والصمت بوصفه لغة مفروضة، واللغة بوصفها هوية، والخوف بوصفه منظما للحياة اليومية. ثيمة الجسد حاضرة بقوة منذ البلوغ حتى الزواج، الجسد الأنثوي يُعامل كخطر، كعار، كملكية مؤجلة، في المقابل، ثيمة المعرفة تظهر كخلاص هش، غير مضمون لكنه الوحيد المتاح.

النص غني بالرموز التعبيرية التي عملت كأدوات بنيوية تعزز فكرة السيطرة والقمع. الرمز الأجمل هو حرف السين المنقلب ثاء، هذا الحرف ليس عقدة نطق فقط، هو استعارة عن عالم لا يسمح بالخطأ، عن صوت يُضحك عليه إن خرج عن المألوف، فالكلمة التي تنقلب تشبه المكان الذي انقلب على أهله.
أما رمز الدجاجة والسكين، كما في المشهد الذي يُختزل فيه مصير الأنثى بين الإطعام والذبح، يقدم صورة قاسية عن ترويض الصوت الأنثوي، إما الصمت الآمن أو الإلغاء.

العنوان من أكثر عناصر العمل كثافة، فالعيش على أطراف الأصابع يعني الحذر الدائم، الحركة دون صوت، الخوف من الخطأ، فهو يختصر تجربة خضرة وتجربة فلسطين معا، وجود هش ومؤجل ومشروط ومع ذلك مستمر.

«على أطراف الأصابع» عمل متماسك فنيا وفكريا، ينجح في دمج النقد النسوي بالتاريخي والسياسي دون افتعال، هو نص يكتب المرأة بوصفها مركز الحكاية، ويكتب الوطن من داخل الجسد، من الخوف، من اللغة، من التفاصيل الصغيرة التي تصنع المأساة الكبرى، لهذا يظل العمل عالقا في الذاكرة، لأنه لا يصرخ، وإنما يهمس، والهمس هنا أشد إيلاما.

——-
كاتبة مهتمة في شؤون الأدب والنقد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com