مقابلات وتقارير

أدباء: الصوم والصمت والإلهام محطات محفزة تغذي السرد

الاتجاه – مريم الحسن:

رمضان فرصة لتأمل الروح واكتشاف أعماقها، حيث يمتزج الصوم بالصمت ليولد مساحة صفاء داخلي.

في هذا الأسبوع الأول، نغوص في تجربة الكتابة التي تسمح للأحداث والمشاعر بأن تُروى بلا زينة، بلا تكلف. والسرد هنا يصبح مرآة الروح، تعكس فرحها وألمها، حبها وفقدانها، كل ما تختزنه أعماقنا. ومن خلال هذا الانغماس، تتشكل الحكايات وكأنها كائن حي يعي أحداثه وينطق بأصداء صمتنا.

هنا نقف على رأي عدد من الأدباء… فماذا قالوا؟

بداية قالت القاصة: عائشة عبدالله

هناك أرواح تعيش في داخلنا، وأخرى تعبر أمام ناظرينا، كنسيم عليل ينعش الذاكرة ويعيد لها الحياة.

فيأتي رمضان ليعيد إلينا تلك الأيام الجميلة، المليئة بروائح البخور والعود، لتزهر أرواحنا وتسمو مع خالقها إلى عالم جميل، مع صدى المآذن في كل مكان.

ننسى للحظات أننا أصحاب قلم وقرطاس، فتضيع منا تلك الحكايات التي نكتبها بين السطور.

فنعود نمسك الأقلام لتكتب لحظات عشناها، بين أناس شكلوا أيامنا وملؤها بالسعادة عند رؤيتهم، وفقير نمد له يد العون فيرفع يده بدعوة تشق عنان السماء.

ما أجمل أن تكتب أناملنا ما تخبئه أرواحنا عندما يصوم الجسد.

تلك هي حكايتنا الروحية.

وقال القاص: أحمد بادي:

يعدّ رمضان من أكبر المحطات الروحية التي تعيد تشكيل الروح وتقريبها من معناها الأسمى. والصوم فيه ممارسة تجمع بين العبادة والانضباط؛ يخفف ثقل المادّة، ويحرّر الروح من اعتيادها اليومي على الامتلاء.

الامتناع عن الأكل والشرب ليس سوى الوجه الظاهر، أما الوجه الأعمق فهو كبح الاندفاع، ومراجعة العادات، والاقتراب من القرآن، والإكثار من الصلاة والصدقة. كل ذلك ليس إضافةً إلى الروح، بل إزالةً لما يثقلها.

ومن هنا يمكن الإفادة من هذه الحالة الصفائية في الكتابة. فكما تخفّ قبضة الشهوة الجسدية، تخفّ شهوة الاستعراض اللغوي. تميل الجملة إلى التكثيف، ويغدو المعنى أولى من الزينة، والدلالة أسبق من اللفظ.

وكما تعلّمت الروح حذف بعض عاداتها في النهار، يمكن للسرد أن يتعلّم الحذف أيضًا. فالحذف هنا لا يصنع صمتًا أخرس، بل يفتح مساحة تأمل يرى فيها القارئ نصًا خفيًا يعيد كتابته، فتخفّ الضوضاء ويعلو صوت المعنى.

في التجربة الروحية لا تُشرح الأحوال، بل تُعاش. وكذلك في السرد: لا نعلّق على الشخصيات، بل نترك أفعالها تقول ما لا يُقال. لا نفسّر الحدث، بل نمنحه حرية الانعكاس في وعي متلقيه.

فالروح في صفائها تميل إلى الصمت أكثر من الإعلان، وإلى الإيماء أكثر من الإملاء.

أما الأديبة: مريم الحسن، فقالت:

الصمت فن عظيم من فنون الكلام.

وهو ليس مجرد غياب للكلمات، بل هو رسالة أعمق من أي حديث. فحين نصمت نجعل الآخرين يصغون إلينا أكثر مما لو كنا نتحدث باستمرار. الصمت يمنح الكلمات قوة، ويمنح العقول مساحة للتفكير والتأمل.

الصمت فنٌ عظيم، لا يتقنه إلا من أدرك أن بعض المعاني لا تحتاج إلى ألفاظ لتُفهم، وأن الهدوء قد يكون أكثر تأثيرًا من الضجيج. فكما أن الموسيقى تتشكل من النغمات والصمت بينهما، كذلك الحديث يكون أكثر وقعًا حين يسبقه صمت حكيم.

والصوم تجربة روحية عميقة يمكننا أن نستخدمها كفرصة للتأمل في أعماقنا، وإذا جمعنا بين الصوم والصمت والسرد نحصل على أداة قوية للتأمل وعمق الروح والفكر، تساعدنا في كتابة تجربتنا واكتشاف أفكارنا ومشاعرنا، وفهم معناها الأعمق.

السرد وسيلة للتعبير عن الذات ونشر الأفكار والمشاعر.

وهذه تجربة كتبتها في يوم ما:

أعاصر يومي بساعاته ودقائقه، وشبح الصمت يلاحقني بحكاياته، وتلك الحبكة التي يحيكها علي كل مساء، يداهمني بأحداث تسابق الزمن، قصة مأساوية ستحدث خلال الأيام وسنين العمر… إنه كنداء، كنبوءة، تنبئني كل يوم، أغالط رؤيتي وأفكاري وأحساسي.

كلما هامت روحي في سراديب الصمت، تتقمصني تلك الرؤية وتطغى على حواسي، أراني أنغمس في غياهب الجب، تتصبب من حولي قطرات المياه بصوتها الرتيب، كمنبه يدق ناقوسه في عالم الذكريات لأصحو لواقعي بعدما تتلاعب بي أضغاث الأحلام… أراني أتدحرج من على شاهق وأرتطم بأرض صلبة لأجد نفسي في ظلام دامس.

أفتح عيني بقوة علني أرى واقعًا، أتساءل في ارتجاف كمن غط في قالب من ثلج يتسامى…

تضيع محاولاتي لسبر أغوار تلك الظلمة هدراً، كأن مهمة النظر لدي تعطلت، لا أرى غير السواد، أصرخ، أنادي، أرهف سمعي علني أسترق صوتًا ما من أي صوب، أنتظر صداه، ألاحظه يسري في العمق، يرحل عني وتردداته ترن في الأصداء، يعود إلي راجفًا متقطعًا يائسًا من أي أنس، يلتصق بي، نصمت معًا، تدور محاجرنا متحجرة فيها الدموع باحثة عن الأمل، لا يحيط بنا سوى الصمت والفقد وعمق الروح.

ويقدم لنا القاص: محمد علي مدخلي، رأيه، فيقول:

كيف نكتب الروح؟ سؤال زئبقي. تشعر بسهولة الإجابة عنه، لكنك لا تدري من أين تبدأ.

سأتناول الموضوع من الجانب السردي.

في البداية، دعونا نتفق أننا في الأصل نكتب عن كل شيء يمس الروح.

من السهل جدًا البوح بما تختلجه أرواحنا من مشاعر مكبوتة وآهات مختزلة وذكريات متراكمة، ولكن تكمن الصعوبة في تحويلها إلى سرد مشبع بالأحداث والمشهدية الملموسة، سرد مصدره الروح وبطله الروح، وأحداثه تتنقل بين الوجع والألم، الفرح والنشوة، الحب واللاحب.

في عالم السرد، لكل قلم روحه الخاصة بتفاصيلها، لذلك تأتي خيوط السرد بأنفاس مختلفة.

لذا عليك أثناء الكتابة أن تنغمس بشكل تام في خبايا روحك وتنصهر في أحداثها وسردها كما لو كانت كائنًا حيًا ملموسًا.

وأخيرًا يقول الكاتب، بخيت طالع الزهراني:

جميل هذا المحور، فيه ملمح فلسفي عاطفي تأملي.

ولذا أرى أن السرد بين الصوم والصمت يساعدنا على كتابة الروح بطريقة صادقة وبعيدة عن الوعظ المباشر، لأن الصوم يمنح الكاتب صفاءً داخليًا، والصمت يعلمنا الانتباه للأفكار والمشاعر الصغيرة.

مثال أول: نص نكتبه عن لحظة الإفطار حين تجتمع العائلة حول المائدة، تتقاسم الضحكات والطعام، فتسرد كل حركة قصة الصبر والمودة.

مثال ثاني: نص ينقل مشهد الناس في الشوارع قبل الإفطار، بصفاء أرواحهم الشفيفة يتعجلون إلى بيوتهم يحملون الطعام والتمر، وتضيء وجوههم الابتسامات، فتتحدث حياتهم اليومية من خلال الحركة والصمت معًا.

هنا تصبح اللغة أداة لنقل الإحساس أكثر من مجرد سرد الأحداث، والروح تُكتب حين يتناغم الكاتب مع نفسه ويترك الحكم والوعظ جانبًا.

وهكذا، يصبح السرد وسيلة لتجربة روحية حقيقية، يلمس بها القارئ إحساس الكاتب مباشرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com