(الأحساء.. خفايا الأرواح) للقاص عبد الله النصر..جماليات المكان بين توثيق الواقع وفانتازيا الأثر

قراءة : هاني الحجي
(الأحساء …خفايا الأرواح) مجموعة قصصية جاءت في (18) قصة قصيرة، تناولت أبرز معالم الأحساء التراثية والتاريخية. اشتغل الكاتب على استنطاق الأماكن التاريخية والأثرية، ونقلها من إطارها الخارجي المادي في الصورة الذهنية إلى معالم حية شاهدة على تشكل دلالتها لأفراد المجتمع الأحسائي، بسردية تمزج بين الواقعية والفانتازيا في تناولها مكانيًا؛ وذلك لاكتشاف البعد الاجتماعي وعوالمه في مراحله التاريخية القديمة وتوصيف علاقته بالإنسان التي تشكلت في وعيه الباطني وعززت هويته وارتباطه بجغرافيته وتراثه كحاضنة روحية لذاكرته.

عتبة العنوان:
يوازن الكاتب بين المكان كجغرافية وتاريخ وإنسان؛ فالأحساء في العنوان ليست مجرد بيئة فيها كل مقومات الحياة، بل تتحول إلى ذاكرة مجتمع لها معانيها يمكن أن تفهم سرديتها من معناها العميق لاكتشافها تدريجيًا. فالعنوان (الأحساء.. خفايا الأرواح) له في بنيته دلالة إيحائية مزدوجة في الانتماء للأحساء كمكان للعيش والانتماء كهوية للإنسان الأحسائي وحضارته، وهو ما يجعل القصص تنفتح على طرح أسئلة عن الهوية المكانية وتأثيرها على وعيه.
المستوى الفني
تتناول المجموعة سرد اللحظات التي تتجاور فيها اليومي والعجائبي والمرئي والمتخيل؛ فالقاص يقدم الفانتازيا كأداة يعيد بها اكتشاف المكان، ولا يفصلها عن الفضاء الزمني (مثل قصص: المدرسة الأميرية، قيصرية الأرواح، أصداء جواثا). وهنا تتعامل النصوص مع “الواقعية السحرية” كسياق سردي واعٍ عند الكاتب؛ لأنها تمنحه مساحة للتعبير عن قلق الإنسان الأحسائي في التحولات التاريخية والاجتماعية التي مر بها للحفاظ على معالمه الأثرية ومكانتها في هواجسه الانتمائية، دون الوقوع في فخ المباشرة في سرده التاريخي (مثل قصة “سليسل العظيم”): “طويهر يتجمد للحظات، يستولي عليه ألمه، فاجعته وذهوله، يراقب الأرض التي التهمت صديقه، لم يهمه ما حدث، لكن شيئًا بداخله يخبره أن هذا ليس اختفاء بل استدعاء”.
كما نجح القاص في المزج بين الفانتازيا والواقعية لكشف الأماكن في عمق الذاكرة الجمعية للآثار وقلقه الإنساني في بيئته، مثل قصة (صمت العقير، المحيرس ينسج الذكريات):
“عبد الله كان أكثرهم التصاقًا بالمكان، كأن ذاكرته مثقلة تخبئ حكايات لم يبح بها بعد، بينما كان سعيد -ابن صياد عجوز- يحدق في الأمواج كما لو كان ينظر لظهر شبح ما”
من زاوية أخرى ترسم قصص المجموعة المكان الأحسائي ليس بصفته جمادًا بل كبنية لها دلالتها ومعانيها بما تحمله من تاريخ يضرب جذوره في العمق لتتحول الأماكن إلى مخزون ثقافي يستمد منه الكاتب أحداث قصصه.
وظائف المكان في المجموعة

تقدم القصص المكان كوظيفة جمالية تمنح القصة خصوصية إعادة اكتشافه بما يحمله من دلالات تاريخية واجتماعية ودينية وأبعاد حضارية، مثل قصص (قيد القصر الأبدي): “إنه يشبه اللوح الذي قرأت عنه في كتاب، كان مكتوبًا بأنه مفتاح لشيء مدفون هنا أو ربما قفله”، وقصة (بيت لن يصدأ) -وهو المكان الذي تمت فيه بيعة الملك عبد العزيز-طيب الله ثراه- من قبل أهالي الأحساء- وقصة (الجوهرية: عين بلا ماء)، وهي من أشهر عيون الأحساء: “أحاطها أهالي الأحساء بأساطيرهم، فكان العريس يحمم فيها قبل زفافه بساعات، طقس تتداخل فيه البركة والهبة…”.
استلهم الكاتب من مخزونها طاقة القصص التخيلية، ووظيفتها النفسية لتتكشف أثر البيئة في شخصيات وحبكة القصص، ولتستعيد تشكيل الموروث للمكان كمادة فنية سردية وليس كقوالب خرسانية جامدة. يكتب النصر الأحساء ليس كمشاهد من خارجها، وإنما غاص فيها كسردية واعية وصورها بفانتازيا وعجائبية.
الشخصيات
تناول الكاتب البنية السردية لشخصيات القصص عبر تكثيف اللحظة داخل الدائرة الزمنية، مما جعله يقدم القصص في قوالب تتشكل على اقتصادية الحدث، وتتكئ على الزمن لتعطي مساحة للمتلقي للتحرك داخل فضاء النص. ومما يميز المجموعة أن فانتازيا المكان في القصص لا تهمش دور الإنسان وعلاقته به، بل تعمقه؛ لدرجة أن العجائبي يتحول لصور تعبر عن خوف الشخصيات ورغبتها وحنينها للماضي وانكسارها بسبب الواقع المؤلم للحاضر، مثل قصة (العريش)، وقصة (معلم العمدة) -العمدة الذي كان له صوته وقوة كلمته، وقصة (بيت القصاب) الذي سكنه آخر قصابي القرية.
اللغة السردية
توحي العناوين والأحداث باشتغال الكاتب بأسلوب يعتمد على الوصف الإيحائي مع جماليات العبارات دون تشويه الحركة السردية للنص، وبدون الإفراط في اللغة الشعرية حتى لا تفقد النصوص هويتها السردية، وهي تحاول التوفيق بين الرمزية وعمق التعبير والوصف، ويوازن الكاتب بين اللغة السردية المباشرة والإيحائية من خلال إسقاطات تأويلية على أفق رمزي تتيح للمتلفي نسج خطوط الحكاية مع المؤلف داخل القصص: “الأرض ليست مجرد تراب، هي ذاكرة، ونحن نخاف الذاكرة. (سليسل) لم يجف وحده بل جفت النفوس أيضًا، النهر لم يختفِ، لقد ابتلعهم وابتلع ما يحملون منذ زمن طويل
خصائص المجموعة
تميزت القصص بالجمع بين المحلي والإنساني؛ فهي وإن كانت تتخذ الأحساء كفضاء زمكاني، لكنها تتجاوز في فكرتها محدودية المكان؛ لأن الأسئلة التي تطرحها القصص تتعلق بالقلق الإنساني وعلاقته بالماضي ومحاولة فهمه: “اقترب عبد الله مد يده ولمس أخشابها العتيقة بحذر، فانتفضت الذكريات في الهواء كطيور مذعورة، أخذ كل واحد منهم يروي قصته…”.
خلاصة
يتضح من القراءة أن المجموعة تنزع إلى التكثيف والفانتازيا والعجائبية،وللقصص دلالة ورمز وصورة ومفارقات، وهذا ما يمنح للقارئ المشاركة في صيغة قرائية متجددة؛ لأن النصوص تحتمل تأويلات متعددة، مع قدرة الكاتب على عدم الانزلاق للغة الموغلة في الغموض رغم تناولها ببعد عجائبي، مما جعلها ضرورة فنية لا ترفًا سرديًا. تمثل المجموعة تجربة قصصية تستكشف جماليات المكان وعمق الزمان للإنسان الذي عاش فيها، وتوظف الفانتازيا والعجائبية لتوسيع أفق اكتشافها للأجيال الجديدة، ومنحت المكان الأحسائي سرديته الخاصة بتداخل الذاكرة مع الواقع والخيال؛ ويمكن اعتبار المجموعة وثيقة اجتماعية تاريخية لأنها لا تكتفي بتوثيق المكان، بل تعيد اكتشافه وتحويله لمساحة للتأمل لدى مختلف الشرائح الاجتماعية.



