الجبعا

محمد محسن الغامدي
مرت سنوات طوال بجوعها ورخاءها، وجدي مازال يفخر ويعتز ببندقيته الجبعا كما يسميها. مرة كل شهر يخرجها من خبائها الجلدي القديم، فيقرّبها من أنفه، يشمّها، وكأنها وردة تبثّ عبيرها إليه.
ثم، وعلى مهل، يخرجُ قطعة قماش وقارورة زيت شحم النمر، كما يقول، ذلك النمر الذي اصطاده في شواهق جبال السروات قبل خمسين عاماً، وفاخر به أمام جماعته.
يبدأ جدي بتزييت البارودة، والتأكد أن الرصاصات الخمس ماتزال في مخزنها، ثم تعتريه نشوة انتصارات كادت أن تُنسى، يوم أن شارك مع قبيلته في صد الباشا وعسكره وتمزيقهم أي ممزقٍ. ثم يعرّج على ذكر معركة تَرَبَهْ، وكيف فاجأ هو ونفر قليل من العربان مخيم الأعداء، والحقوا بهم هزيمة منكرة.
نصغي إليه وهو يعدد بطولاته، ممسكاً ببندقيته، ثم يغلبه الوجع، فيمدّ ساقيه في شمسٍ ضنينة تتسلل من بين غيوم المصيف. يرى في أعيننا شفقةً نحيطه بها، فيقول: بإذن الله سأبقى مجاهداً مدافعاً عن وطني ما حييت.
وهنا يلتفت إليه الأحفاد، يقبّلون يديه ورأسه، فنسمع هديراً نتج عن اعتراض مسيَرةٍ معادية، فيطلب منا أن نحمله إلى فناء الدار، فيخرج حاملاً الجبعا، مردداً قصائد الحماسة وهزيمة الباشا.



