مجموعة “ظلال” لسونيا المالكي .. سرد يتكئ على الإحساس أكثر من الدهشة

قراءة : هاني الحجي

تأتي مجموعة “ظلال” للدكتورة سونيا المالكي بوصفها تجربة سردية تميل إلى الغوص في الداخل الإنساني أكثر من انشغالها بالحكاية في شكلها التقليدي. ومنذ القصة الأولى يشعر القارئ أنه أمام نصوص لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تحاول تفكيك المشاعر والهواجس التي تتحرك خلفها، لتكتب عن الإنسان حين يكون وحيدًا مع نفسه.
من عتبة الغلاف لفت انتباهي بما يحمله من صورة طبيعية لصخور تتوزع بين الجبل والنهر؛ لوحة قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها سرعان ما تفتح باب التأويل. فهذه الصخور في سياق القراءة السردية تشبه إلى حد بعيد الشخصيات التي قرأتها في قصص المجموعة وهي تواجه قسوة الحياة، وتحاول التكيّف معها، إما بالغوص في أعماقها أو بمحاولة تجاوز عقباتها. مما يبعث إحساس للقارئ بالتأمل في اللوحة، وكأنها تمهيد بصري للمتلقي لما سيأتي داخل القصص .
من جانب آخركان الإهداء -كما أراه- ليس عابرًا بل يمكن اعتباره مدخلًا مهمًا لفهم رسالة المجموعة. حين تقول الكاتبة عن جدتها:
“كم رويتِ لي من حكايات فتحت أمام عيني آفاق خيالات وأطياف لا نهاية لها… حفرت في ذاكرتي حتى الآن”
ثم تتابع الإهداء لعمتها:
“كم غرستِ في ضميري ووجداني من قيم راسخة ومبادئ سامية أنارت لي سبيلي في دروب الحياة”
فالإهداء يشير ضمنًا إلى الجذور الحكائية للقصص المستلهمة من الجدات و التي تنطلق منها هذه النصوص، وتعبر عن الامتزاج بين الخيال والقيم فيما أهدته من كلمات لجدتها و عمتها دون أن تتحول القصص إلى خطاب مباشر أو وعظي.
الشخصيات
تتحرك الشخصيات في قصص المجموعة بمساحة يغلب عليها القلق الإنساني، حيث تبدو الشخصيات مأزومة ومشدودة إلى صراعات داخلية لا تقل قسوة عن ضغوط الواقع. وتظهر المرأة بشكل لافت، لكنها -في رأيي- غالبًا ما تبقى ضمن إطارها التقليدي وهو ما قد يثير تساؤلًا للمتلقي حول مدى قدرة النصوص على كسر هذه الصورة أو إعادة تشكيلها .
الرمزية والدلالة
في قصة “ظلال”، التي تحمل عنوان المجموعة، يتكثف هذا الاشتغال النفسي بشكل واضح. فالظل هنا ليس مجرد أثر بصري، بل يتحول إلى كيان مقلق يلازم البطل ويعكس اضطرابه الداخلي. تقول الكاتبة:
“من أشد ما كان يستوقفه ظله، يتأمله وهو يطارده كما كان يعتقد، ويرسل له قبلات حينًا، ويبصق عليه حينًا آخر…”
هذا التذبذب في العلاقة مع الظل يوحي بانقسام داخلي للبطل ، حيث يصبح الظل أقرب إلى مرآة لذات غير مستقرة. ويتصاعد هذا الإحساس حين تقول الساردة:
“ها هو ظله يسبقه إلى السرير ويستولي عليه، لم يدع لوحيد أدنى فراغ ينام فيه”
ثم في لحظة أخرى:
“أطفأ الأنوار لينام براحته، فوجد ظله يكبر حجمه ويزداد طولًا وعرضًا وارتفاعًا”
هنا يتحول الظل إلى عبء نفسي ثقيل، وربما إلى صورة من صور تأنيب الضمير أو الخوف غير المسمى. وما يلفت النظر أن الساردة لا تقدّم تفسيرًا واضحًا لهذا القلق للبطل ، وكأنها تترك القارئ في مواجهة هذا الغموض، وهو خيار قد يراه المتلقي مربكًا، لكنه في الوقت نفسه يمنح النص مساحة أوسع للتأويل.
في قصة “أصوات”، تميل الكاتبة إلى أجواء أقرب إلى الفانتازيا، حيث تتحول الأصوات إلى حضور ضاغط يحيط بالبطل. أما في قصة “ثوان”، فيجد المتلقي نفسه أمام لحظة انتقالية بين الحياة والموت، تُقدَّم بطريقة تحمل مسحة من الغرابة والتأمل، كما في قولها:
“حاول فتح الكيس المغلق بعناية والصراخ بصوت عالٍ لعل أحدًا يأتي لنجدته… لكن أحدًا لم يأتِ”
هذا المشهد، على بساطته، ترك أثرًا نفسيًا لدي كمتلقي، لأنه لامس فكرة العجز والوحدة في لحظة مصيرية لما بعد الحياة .
ويتضح في نصوص مثل “شوفة”، حضور الماضي بوصفه عبئًا لا يمكن التخلص منه بسهولة، حيث تتداخل الذكريات مع الحاضر، وتبدو العلاقات الإنسانية هشة وقابلة للتصدع. وهذا ما يجعل الشخصيات أقرب إلى كائنات محاصرة لا بواقعها فقط بل بما تحمله داخلها.
تتنوع القضايا التي تطرحها المجموعة بين الصراع الداخلي، والحب والفقد، والندم، والاغتراب، لكنها تلتقي جميعًا في نقطة واحدة وهي محاولة فهم الإنسان في غموضه وضعفه.
اللغة السردية
اللغة التي كتبت بها المجموعة تميل إلى السلاسة والوضوح مع حضور لمفردات ذات طابع تراثي يذكّر بجو الحكايات الأولى، ويمنح النصوص شيئًا من الدفء.
يمكنتي القول إن “ظلال” ليست مجموعة تقوم على الدهشة السردية بقدر ما تقوم على الإحساس. وهي نصوص أستطيع وصفها بأنها تترك أثرها بهدوء، وتدعو القارئ إلى التأمل أكثر مما تدعوه إلى المتابعة.
ختامًا أرى أن تجربة د. سونيا المالكي جديرة بالاهتمام، لما تحمله من صدق في التعبير عن شخصيات قصصها، وقدرتها على ملامسة مناطق حساسة في النفس الإنسانية.



