الجاهل عدو نفسه
أميمة عبد العزيز زاهد
يقولون: الجهل أصل كل الشرور… وليس لأنه نقصٌ في المعلومات فقط، بل لأنه قد يتحول إلى قناعة متصلبة تجعل الإنسان يرفض أن يتعلم، ويغلق عقله عن الحقيقة، ثم يتعامل مع الحياة بثقة أعلى من فهمه.
والأدهى من ذلك أن الجاهل لا يؤذي غيره فقط… بل غالبًا يكون عدو نفسه قبل أي أحد.
لأنه يختار الخطأ وهو يظن أنه على صواب، ويخسر وهو يعتقد أنه يربح، ويكسر العلاقات وهو مقتنع أنه “يُصلح”، ويؤلم من يحب ثم يبرر لنفسه بأنه “لم يقصد”.
لكن من المهم أن نفهم شيئًا بوضوح:
الإنسان كلما تعلّم معلومة جديدة، فهذا يعني أنه كان يجهلها من قبل… وهذا ليس عيبًا ولا نقصًا، بل دليل وعي ونموّ. فالجهل الطبيعي مرحلة يمر بها كل إنسان، أما الجهل الحقيقي فهو أن يرفض التعلم، أو يخجل من السؤال، أو يصر على الخطأ فقط حتى لا يُقال إنه تراجع.
وهنا تبدأ المشكلة حين يتحول الجهل من مجرد “عدم معرفة” إلى سلوك يومي:
كلمة تُقال بلا وعي، حكمٌ نطلقه بلا دليل، موقفٌ نتخذه بلا فهم، أو قناعة نتمسك بها فقط لأننا اعتدنا عليها.
ومن هنا يظهر المعنى العميق لما يمكن أن نسميه “علم الجهل”…
ليس المقصود أن نُكثر الكلام عن الجهل، بل أن نتعلم مهارة عظيمة:
أن نعرف حدود معرفتنا، وأن نعترف بما نجهله، وأن نتوقف قبل أن نحكم.
لأن أخطر أنواع الجهل ليس أن تقول “لا أعرف”… بل أن تتصرف وكأنك تعرف كل شيء!
فالغرور وادّعاء المعرفة في كل الأمور يصنعان من الإنسان نسخة مغلقة على نفسها؛ لا تتقبل رأيًا، ولا تسمع نصحًا، ولا تعترف بخطأ. وهذا النوع من الناس قد يكون حاضرًا بأعلى صوت… لكنه غائب عن الحقيقة.
وبالتالي فإن الجهل لا يبدأ من المدرسة فقط، ولا ينتهي عند الشهادة.
الجهل قد يكون في طريقة تفكيرنا، وفي أسلوب حديثنا، وفي تعاملنا مع من حولنا.
فكلما عرفنا ما نجهله… اقتربنا من النور.
وكلما تواضعنا للمعرفة… ارتقينا بالحكمة.
أما ادعاء المعرفة، فهو أقصر طريقٍ إلى خسارة النفس قبل أن نخسر الآخرين



