ثقافة وفن

 تراتيل الصندوق الموصد

هيفاء نورالدين

قصة قصيرة

كان يقبع في ركن الغرفة كحارسٍ أصم، صندوقٌ من خشب الساج العتيق، أبنوسيُّ اللون، تفوح منه رائحة “الندّ” والزمن. لم يكن مجرد وعاءٍ للمقتنيات، بل كان محراباً لصلواتٍ صامتة، وتراتيلَ لا يسمعها سوى من أرهقته السنون. كانت هي تنظر إليه كأنه “الناجي الوحيد” من طوفان عمرها الذي مضى.

​حين يهدأ ضجيج الدار، وتنام العيون، تقترب منه بخطىً وئيدة، تُخرج مفتاحاً صغيراً خبأته في ثنايا روحها قبل ثيابها. يئنُّ القفل الحديدي عند الدوران، صريراً يشبه استرجاع غصّةٍ قديمة. ومع ارتفاع الغطاء، تندفع رائحة الماضي، رائحة الأمان الذي انفرط عقده ذات يوم.

​في جوفه، كانت ترقد “الأسرار” بسلامٍ هش. رسائلُ ورقية جفّ حبرها، لكن لوعتها ما زالت تلسع الأصابع. مناديلُ مطرزة بخيوط الأمل التي انقطعت قبل أن تكتمل الحكاية. وصورةٌ فوتوغرافية باهتة لصبيةٍ كانت تظن أن العالم يتسع لأحلامها، قبل أن تضيق بها الجدران والتقاليد.

كانت تمرر يدها على الأشياء، وكأنها تلمس وجوهاً غابت. كل قطعةٍ في الصندوق كانت آيةً في كتاب حياتها السري. هنا حلمٌ وئد في مهده، وهناك كلمةُ “لا” لم تُقل في وقتها، وهنا غصةٌ حُوّلت إلى ابتسامةٍ زائفة لإرضاء القبيلة. بالنسبة للآخرين، هو حطام خشبٍ وخرقٌ بالية، أما بالنسبة لها، فهو “الملاذ” الذي يمنحها الحق في أن تكون نفسها، بعيداً عن ألقاب “الأم” و”الزوجة” و”التابعة”.
​أ

عادت إغلاق الصندوق، وأحكمت القفل بقلبٍ يرتجف. نهضت لتواجه الصباح برداء الرزانة المعتاد، لكنها تركت خلفها روحاً تظلُّ ترتل في عتمة الخشب قصائد الشوق، وتنتظر بعثاً جديداً لا يأتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com