مقالات

“ريحان أمي” سافر معي إلى المدينة

بخيت طالع الزهراني

في بعض ردودي على الأصدقاء في منصات التواصل الرقمية، أرد عليهم بـ “إيموجي” غصنًا يحمل ستَّ ورقاتٍ خضراء.

أفعل ذلك، وفي عقلي الجمعي أن ما أرسله هو الريحان؛ تلك العشبة العطرية الأسطورية المدهشة، التي أراها رمزًا للسلام والحب والسكينة. ولا أحد – في ظنّي – إلا وهو يحب الريحان؛ يشمّه بشوقٍ وشهية، فينعكس ذلك فورًا على ملامحه.

لكنني أتساءل:

هل يفهم الأصدقاء مرادي حين أجيبهم بالريحان؟ أم يظنون أن ما يرونه هو مجرد غصنٍ بورقاتٍ خضر، كأي نباتٍ عادي، والسلام؟

على أي حال…

فقد عرفت الريحان منذ كنت طفلًا، هناك في قريتي الجبلية الجنوبية، حين زرعته أمي في ركن فناء بيتنا – الزَرْبة في لهجتنا المحلية – ذاتَ عصريةٍ ربيعية. وسرعان ما نما وتطاول وتكاثر حتى امتلأ الحوض كما لو كان حديقة صغيرة.

ظلّ المشهد طاقةً بصريةً إيجابية بالنسبة لي ولغيري؛ كنت أمرّر يدي عليه، أو أقتطف منه وريقاتٍ أشمّها فأنتشي. وكانت والدتي تتخذه توشيحاتٍ على جانب رأسها في الأعياد والأفراح، وتهدي منه لصويحباتها وزائراتها. وكم كانت جدّتي لأمي تبتهج حين تنهي زيارتها لنا، وقد دسّت والدتي لها عدةَ أغصانٍ في ثنايا شيلتها.

وساهم في طفرة حوض ريحان أمي أن تربته لم تكن جبليةً رملية، بل خصبة من طين حقولنا في الوادي، ما أسهم في استدامته، وجعله أيقونةً أمام أبصارنا، ومشهدًا جماليًا منح فناء بيتنا رونقًا مختلفًا.

وحين كبرت، رأيت الريحان يُباع في سوق الخميس بالباحة؛ تجلبه النسوة من الأودية، ومعه البعيثران وأحيانًا الكادي القادم من قرية ذي عين التهامية الزراعية الأسطورية. وظلّ الريحان، وغيره من العطريات، زينةً للعرائس في ذلك الزمن، يتخذنه على جانب الرأس ليزيدهن بهاءً وإشراقًا.

وثمّة من كان يضعه على فراش النوم، وبعضهم في المجالس الرجالية، ليبث في المكان طقسًا عطريًا باذخًا.

القصة في الواقع لم تنتهِ…

فقد ورثتُ هذه الحكاية عن والدتي، وصرت أشتري شتلات الريحان وأزرعها في الحديقة الصغيرة أمام بيتنا في المدينة بعد انتقالي إليها. ونجحت الفكرة، حتى صار بعض العابرين إلى المسجد يقتطفون أغصانًا منها ترويحًا لأنفسهم، وأنا أراقبهم بسعادة.

وفي صبيحة كل يوم، حين تشرق الشمس على الأوراق الخضر قبالة بيتنا، أبتسم، وأدرك أن السكينة تكمن في أبسط الأشياء، وأن كل غصنٍ يحمل قصةً لا تنتهي؛ قصة بدأت من هناك… من القرية.

ما يشغل بالي الآن هو:

كيف لي أن أقنع أصدقائي أن إيموجي الريحان، بغصونه الستة، الذي أبعثه لهم، ليس مجرد نبات، بل ريحانة فواحة؛ رسالة صامتة أطمح أن تصل إلى القلب قبل العين، وتروي الروح قبل الشفاه.

وهكذا علّمتني أمي:

أن بعض الرسائل لا تُقال، بل تُزرع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com