وهجُ الكلمة في رحاب “قراءة النص 22”

عبدالحي إبراهيم الغبييشي
أختُتم “ملتقى قراءة 22″، قبل يومين، في أجواءٍ ثقافيةٍ مفعمة، ولقاءٍ أدبيٍّ عامرٍ بالمحتوى، جديرٍ بالكتابة والاهتمام.
وهي المرة الأولى التي ينعقد فيها الملتقى تحت مظلة جمعية أدبي جدة؛ حيث تتلاقح الأفكار، وتتجلّى الكلمات المنمّقة المشنّفة للآذان، حاملةً أنغامًا وألفاظًا تعبّر عن هذا المكنون الثقافي الأدبي الذي نعيش فيه ويعيش فينا. وتندرج نسخة هذا العام تحت عنوان: «آفاق الأدب السعودي في ظل رؤية المملكة 2030م».
سعدت بوجودي ضمن كوكبةٍ من الأدباء والمثقفين والنقّاد والبلاغيين، فكان ذلك شرفًا قبل أن يكون دعوة.
واستمتعنا بكلمة الافتتاح لرئيس جمعية أدبي جدة، التي ألقاها الدكتور عبدالله عويقل السلمي، ببلاغةٍ رقيقةٍ ومعانٍ عميقة، عبّرت عمّا يختلج في داخله من حبٍّ واعتزازٍ بالمحتوى الثقافي، والدور الممتد للنادي بمسمّاه السابق، والجمعية بمسمّاها الجديد.
وكان حديثه ذا شجون، إذ دارت كلمته عبر ثلاث وقفات؛ استهلّها بقوله: «نلتقي الليلة في رحاب جمعية أدبي جدة في لقائنا الأول بالمسمى الجديد، نلتقي ونحن نرتدي عباءة الجدّة، لكن بوقود وروح التاريخ؛ فمهما تغيّرت المسميات سيظل العطاء ممتدًا، والمجايلة منهجًا».
ولاحظنا في كلمته ذلك الحنين الذي لا يزال يسكنه للمسمّى القديم، وإن غدا الاسم الجديد واقعًا قائمًا، غير أن الأهم أن الكيان ما يزال وفيًّا لرسالته، مستمرًّا في عطائه وحركته وإثرائه.
وفي الوقفة الثانية، شكر الله، ثم قيادة هذا البلد، ملكًا ووليَّ عهدٍ ـ حفظهما الله ـ، كما شكر الداعمين لهذا الملتقى، فلولا دعمهم ما كان له أن يُقام، وخصّ بالذكر: الوجيه عبدالله دحلان، والشيخ سعيد العنقري، كما امتدّ شكره إلى أسرة الشربتلي، لما كان لها من دورٍ في تشييد هذا الصرح.
وجاءت الوقفة الثالثة عن فارس الحفل، الشخصية المكرّمة الأستاذ محمد علي قدس؛ إذ وصفه بفراسة البدوي الفطرية، مشيدًا بمكارمه وأخلاقه وتواضعه وطموحه. وهو، بحق، قيمةٌ وقامةٌ أدبيةٌ رفيعة. وقد قال عنه:
(قدس قداسةً من الطهر والنقاء، ألفيته في مجالس الأخوة والأنس مفاكهًا لطيفًا، مشرقَ البشاشة، سليمَ الصدر، دقيقَ الحس، عفَّ اللسان، منسجمَ الزي، أنيقَ المظهر، نظيفَ المخبر… يتوارى عن الأضواء التي بات يتهافت عليها الدخلاء… أخاله كلما تقدّم به العمر ازداد أناقةً وحيوية… ارتبط بالنادي في سنّ الشباب، وعاد إلى مجلس إدارته برداء الشيخوخة، بروحٍ يحدوها طموحٌ لا يفتر، وهمّةٌ توقظ فينا معاشر المتثائبين… فهذا التكريم يزهو به).
ثم توالت فقرات الحفل، وأعقبها انعقاد جلسات الملتقى خلال أيامه الثلاثة، التي أثمرت حراكًا أدبيًّا وثقافيًّا لافتًا، وأسهم المشاركون فيها بأوراقٍ علميةٍ قيّمة، جاءت في سياق رؤية المملكة 2030.
ومن أبرز ما لفت انتباهي الورقة التي قدّمها الدكتور سامي الثقفي عن مدينة الطائف، بوصفها نموذجًا رائدًا للمدن المبدعة في ظل الرؤية، من خلال ملامحها الأدبية في مدوّنة الشعر السعودي. وكانت ورقةً مقنعةً وجميلة. غير أنه فات فيها ـ سهوًا ـ الإشارة إلى «مكتبة المعارف» (دار محمد سعيد آل كمال بالطائف)، التي أُسست عام 1367هـ، قبل نحو ثمانين عامًا، وهي جديرةٌ بالذكر؛ إذ تُعدّ صرحًا من صروح الثقافة والأدب، وكان لها دورٌ رائدٌ في طباعة الكتاب المدرسي. ولا يُستبعد أن يكون حضورها أحد العوامل التي أسهمت في اختيار الطائف ضمن المدن المبدعة لدى منظمة اليونسكو.
ختامًا، شكرًا بحجم السماء لرئيس جمعية أدبي جدة، ولفريق عمله، على ما قدّموه من إثراءٍ ثقافيٍّ ومعرفيٍّ مميز.



