جينيالوجيا الجرح: قراءة في رواية «تحت إكراه القهر» لـ شيماء أبجاو

قراءة: د. حمزة مولخنيف

ثمة كتب تُقرأ وثمة كتب تُعاش، وحين يقع بين يدي القارئ نصٌّ من طينة «تحت إكراه القهر» لشيماء أجباو فإنه لا يجد نفسه أمام رواية بالمعنى التقليدي للكلمة، بل أمام شهادة وجودية مكتوبة بالدمع ومرثية طويلة لطفولة لم تولد وأمومة لم تتحقق وذات لم تجد مرآتها.
إنه نصٌّ يشتغل على القارئ قبل أن يشتغل القارئ عليه، يتسلل إلى أغوار النفس البشرية حيث تسكن الهشاشة الأولى تلك التي نتوارثها دون أن ندري ونحملها كجينات خفية تنتظر لحظة الانفجار. تقول حنة أرندت: «لا يمكن للمرء أن يكون إنسانا حقا إلا حين يتألم ويتذكر».
وفي هذه الرواية الألم ليس زينة سردية بل هو نسيج الوجود ذاته، خيطه الأول والأخير، بدايته ونهايته، سؤاله وجوابه.
الجرح الذي تفتتح به الرواية ليس جرحا فرديا بل هو جرحٌ قبليّ، سابق على وجود البطلة مؤسِّسٌ لوجودها. حين تقول أمل: «سأكبر يوما ما… ولن أكون مثل أمي»، فإنها لا تعلن عن طموح بل تعلن عن رعب وجودي خالص؛ إنها تصرخ في وجه القدر الذي يتهددها بأن تكون نسخة مكررة من المرأة التي تمتص الحياة منها.
إن هذا الإعلان ليس سوى اعتراف مبكر بأن الجرح هو المكون الأساس للهوية وأن الذات لا تولد من الفرح بل تولد من رحم الألم، تتشكل في غياهب القهر وتتنفس تحت سقف الخوف. وما لم تفهمه أمل الطفلة وأدركته أمل الشابة لاحقا هو أن لا مهرب من الأم لأنها تسكن فينا كما نسكن نحن فيها في علاقة لا تنفصم عراها حتى بالموت.
لقد كتبت لوس إيريغاراي في تحليلها للعلاقة بين الأم وابنتها: «إن أخطر ما يهدد العلاقة الأمومية ليس الكراهية بل هذا التداخل الذي يجعل الابنة غير قادرة على التمييز بين صوتها وصوت أمها، بين رغبتها ورغبة أمها».
وفي نص شيماء أجباو هذا التداخل هو بالضبط ما يشكل مأساة أمل: إنها لا تعرف أين تنتهي هي وأين تبدأ أمها. إنهما كائنان متداخلان كطفيلي وضحيته لا يدري أحدهما أيهما يتغذى على الآخر.
تتقدم الساردة في تفكيك هذه العلاقة الملتبسة بين أمل وأمها صباح فإذا بنا أمام شخصية أمومية منفلتة من كل نموذج تقليدي، شخصية تذكرنا بأمومة مدمرة تشبه تلك التي صورها دوستويفسكي في شخصية والدة إيفان كارامازوف حيث تتحول الأم إلى فوهة جحيم كما تصفها أمل: «كانت أمي فوهة جحيم تبدو للبعيد نورا ساطعا ويصطلي القريبُ بحميمها مستصرخا ولا من مغيث».
في هذا الوصف المكثف تكمن فلسفة الرواية بأكملها، الجحيم ليس بعيدا، إنه في البيت، في الأم، في اللمسة الأولى التي تمنح الحياة ثم تسلبها. الجحيم ليس نارا بعيدة في الآخرة بل هو الحضن الذي من المفترض أن يكون ملاذا فإذا به يصير كهفا مظلما يبتلع كل من يقترب. إنها صورة مرعبة للأمومة، صورة تنقلب فيها القداسة إلى لعنة والحب إلى سادية مقنعة والرعاية إلى سجن لا مرئي.
لكن، هل كانت صباح وحشا بالفطرة؟ الرواية لا تسمح لنا بهذا الجواب المريح. حين نقرأ مونولوج صباح نكتشف أنها بدورها ضحية قهر سابق، ضحية زواج قسري، ضحية رجل حولها إلى جسد بلا روح، إلى كائن يحترق يوميا في محرقة الخيانة والتجاهل.
إنها امرأة تقول: «في ليالي الكالحة مع زوجي الزبير وبعد شجار عنيف صفعا وضربا ورفسا كنت أنكمش على نفسي في وضعية الجنين أبكي». هنا نرى انزياحا سرديا مفزعا: الجنين الذي كان ينبغي أن يكون في رحمها أصبحت هي نفسها في وضعيته، تبحث عن دفء مفقود، عن حماية أولى لم تحصل عليها قط. ومن بين ما تكشف عنه الرواية عن بنية القهر وتناسله عبر الأجيال حيث يصير كل معذَّب معذِّبا بالضرورة وحيث ينتقل العنف كعدوى روحية من الآباء إلى الأبناء في سلسلة لا تنتهي من التكرار التراجيدي. إنه ما أسماه ألبير كامو «ثورة المعذبين» حين يتحول الألم إلى هوية والضعف إلى سلاح والانكسار إلى مشروع تدمير ذاتي يمتد ليطال كل من حوله.

وبين هاتين المرأتين صباح التي ضاعت في متاهات القهر وأمل التي تحاول الفرار من مصيرها المحتوم، يقف الزبير الأب الغائب الحاضر، الرجل الذي يشتري الغفران بالهدايا ويستبدل الحب بالألعاب ويعتقد أن بإمكانه تعويض غيابه الوجودي عن ابنته بسيارة صغيرة يسمونها «سلحفاة». إنه نموذج الأب الشبح الذي يظهر ليختفي ويمنح الحب على مضض كصدقة وجودية تاركا ابنته تتخبط في بحر القلق والعطش العاطفي. يكتب ميلان كونديرا: «الأب هو الذي يمنحك الحياة لكنه هو نفسه الذي يمنحك الخوف من الحياة». وهذا ما فعله الزبير بابنته، منحها الحياة لكنه حرمها من شجاعة عيشها وجعلها تتعلق بأي خيط أمل، بأي وهم حب، بأي رجل يعدها بما لم تستطع هي أن تأخذه من أبيها.
إن ما تفعله شيماء أجباو في روايتها هاته، هو تأسيس فلسفة كاملة للقهر تقوم على ثلاث دعائم: الأولى سيكولوجية، تتمثل في العقدة الأمومية الملتهبة، حيث تصبح الأم مصدر الرعب لا الحنان، والثانية اجتماعية، تتمثل في النظام الأبوي الذي يحول المرأة إلى سلعة تنتقل من أبيها إلى زوجها ويحرمها من أبسط حقوقها في الاختيار، والثالثة وجودية، تتمثل في اغتراب الذات عن نفسها وعجزها عن الخروج من دائرة التكرار الأبدي كما لو كانت محكومة بقانون أبدي لا فكاك منه. إنها تقول لنا بصوت نيتشه: «من لا يستطيع الطاعة لا يمكنه أن يأمر»، وقد كانت صباح عاجزة عن إنقاذ نفسها فكيف لها أن تنقذ ابنتها وقد استسلمت للقهر، فكيف لها أن تعلم ابنتها التحرر؟
تقف أمل على أعتاب خيارين: إما أن تكون مثل أمها أو أن تتمرد عليها، لكن التمرد على الأم ليس مجرد عصيان؛ إنه تمزق وجودي لأنه يعني التمرد على الذات، على الجينات، على ذلك الجزء الذي يسكن أعماقنا ويشبه من جاؤوا بنا إلى هذا العالم. وسنرى في الأسطر القادمة من هذه القراءة المتواضعة كيف ستقود أمل تمردها هذا نحو فضاءات أكثر تعقيدا حيث سيكون الحب مجرد محطة وسيكون الدين مجرد قناع وسيكون الموت مجرد إجابة أخيرة في رحلة تراجيدية لا تقل فظاعة عن جحيم البداية.
إن هذه الرواية تفتح منذ صفحاتها الأولى جبهة صراع متعددة الأبعاد: بين الأنثى والأم، بين الابنة والأب، بين الذات والآخر، بين الحلم والواقع وبين الهروب والعودة. إنها ليست مجرد حكاية عن عائلة مفككة بل هي في جوهرها مأساة الوجود البشري وهو يكتشف ببطء وقسوة أنه وحيد في مواجهة مصيره وأن الحب الذي يعد به الآخرون ليس سوى شكل آخر من القهر وأن الحرية ليست عطية توهب بل هي معركة تخاض يوميا بالدم والدمع والروح.
وإذا كانت البدايات قد وقفت بنا عند أعتاب الجرح الأولي حيث تتشكل الذات في بوتقة القهر العائلي فإن ثمة انعطافة تالية تغامر بالخروج من البيت إلى العالم، من الجحيم الخاص إلى الجحيم العام، حيث تبحث أمل عن مخلص وعن حب يكون ترياقا لسموم الطفولة فلا تجد إلا وجوها أخرى للقهر نفسه.
إنها المأساة الكبرى التي تسكن صميم هذه الرواية، أن يظن المرء أنه يهرب من سجنه بينما هو في الحقيقة يغير زنزانته فقط وينتقل من سجان إلى سجان آخر بلباس مختلف وقسمات مغايرة. كتب إريك فروم في «فن الحب»: «إن الحب ليس مجرد علاقة بشخص معين بل هو موقف توجه للشخصية يحدد علاقة المرء بالعالم ككل». وفي حالة أمل، الحب ليس توجها بل هو تعلق مرضي ومحاولة يائسة لسد فجوة وجودية خلفها غياب الأب وحضور الأم المعذِّبة.
يأتي مراد طالب الآداب الفقير، حاملا سلاحه الوحيد: الكلمة. يدخل حياة أمل من بوابة الفيسبوك في زمن صارت فيه الشاشات بديلا عن النوافذ والرسائل بديلا عن اللمسات. إنه لقاء جيل كامل تعلم أن يحب عن بعد، أن يبني قصورا من الهواء وأن يؤمن بالخلاص عبر وهم العلاقات الافتراضية. ولكنه ليس مجرد عاشق عادي؛ إنه أيضا ضحية قهر موازٍ: قهر الفقر، قهر البطالة، قهر ابن الحي المهمش الذي يرى العالم من ثقب باب غرفته تحت الدرج. وفي هذا التناظر بين القهرين قهر أمل العاطفي وقهر مراد الاجتماعي تتأسس العلاقة على وهم التكامل، كل منهما يرى في الآخر مخلصا من جحيمه الخاص متناسيا أن الجحيم لا يتسع لمخلصين بل يكتفي بابتلاعهم معا.
تصف الرواية مرادا بأنه «شاب خائب بحق» وتعدد مساوئه، فقره، عائلته الكادحة، عجزه عن العمل، لكنها تصف أيضا سحره: الشِعر، الحلم، القدرة على تحويل الكلمات إلى أوهام. هنا تبرز واحدة من أعمق رؤى شيماء أجباو، الحب، كما يُسوَّق في الثقافة الشعبية وكما يُعاش في الطبقات المحرومة ليس سوى وهم الفقراء اللذيذ على حد تعبير صباح. إنه الأفيون الذي يُنسي الجوع والمخدر الذي يُخفي قبح الواقع والمسكن الذي يُسكت صراخ الروح. لكنه ككل مخدر لا يعالج العلة بل يزيدها استفحالا ويؤجل الانفجار لا أكثر. يقول ليفيناس: «الوجه هو أول ما نراه في الآخر، وفيه نتلقى أمرا أخلاقيا بعدم القتل». لكن مرادا لم يرَ وجه أمل الحقيقي ولا هي رأت وجهه؛ كلاهما رأى انعكاس حاجته في مرآة الآخر. إنهما لم يتحابا بل تعلق كل منهما بوهم خلاصه مما يجعل علاقتهما محكومة بالفشل منذ البدء لأنها لم تنبنِ على رؤية الآخر بل على رؤية الذات في الآخر.
في مقابل هذا الحب الملتهب تقف صوفيا، صديقة أمل وطبيبة المستقبل عقلاً باردا في زمن العواطف الجياشة. إنها تمثل ما يمكن تسميته «وعي المعادلة» في مقابل «وعي المشاعر». تقول صوفيا لأمل: «لغة التفكر المنطقي تقول: مراد طالب آداب + عاطل عن العمل + من أسرة كادحة = ارتباط بنهاية كارثية». هذه المعادلة لا تخلو من قسوة طبقية لكنها أيضا تنبؤ دقيق بما سيحدث. صوفيا هنا هي صوت العقل العلمي الذي تريد أن تفهم كل شيء حتى الحب، من خلال كيمياء الدماغ والنواقل العصبية، متناسية كما ستعترف لاحقا أن الإنسان ليس مجرد معادلة وأن الحياة ليست مختبرا. ومع ذلك فإن صوفيا تحمل في داخلها هي أيضا بذور قهرها الخاص، عزلتها، وحدتها، صراعها مع الوجود والسؤال عن الجدوى حتى أنها ستسقط آخر المطاف في إدمان عقاقير الهلوسة في مشهد تراجيدي يجمع بين العلم والجنون وبين العقل والانهيار.
ثم تأتي لحظة الرفض، يرفض الزبير مرادا ليس دفاعا عن ابنته بل دفاعا عن طبقته. الزواج هنا ليس مسألة حب بل مسألة حساب، ماذا ستستفيد العائلة من هذا الارتباط؟ وحين يكتشف الزبير أن مرادا لا يملك حتى عملا يغلق الباب ليس في وجه مراد وحده بل في وجه أمل أيضا. وهنا تتحول حكاية الحب الرومانسي إلى مأساة اجتماعية، الحب بين طبقتين مختلفتين ليس خطيئة لكنه جريمة لا تُغتفر في مجتمع طبقي قاس. تنقلب أمل من ابنة مدللة إلى سجينة في فيلا الأطلسي، في مشهد يذكرنا بقصص الرعب القوطية حيث تُحبس البطلة في قصر بعيد وتُعزل عن العالم لتُروَّض، لتُكسر إرادتها ولتعود إلى القطيع. إن هذا الحبس ليس مجرد عقاب بل هو محاولة لإعادة برمجة الذات، لمحو أثر التمرد، لإجهاض إرادة الحياة قبل أن تولد. إنه استعارة مكثفة لآلية النظام الأبوي في قمع الأنثى، ليس فقط بالضرب والإهانة بل بالحبس والعزل وبحرمانها من التواصل وبجعلها تشعر أن رغبتها جريمة وأن حريتها شذوذ.
في هذا السجن الفاخر تكتشف أمل الكتب وتبدأ علاقة جديدة مع القراءة، كأن المكتبة التي احتجزت فيها صارت رحما ثانيا أو سجنا يلد الحرية من رحم العزلة. إنها لحظة تحول كبرى، من الحب البشري إلى حب المعرفة، من التعلق بالآخر إلى التعلق بالنص ومن العاطفة إلى العقل. لكنها لحظة مبتورة أيضا لأن المعرفة وحدها لا تكفي ولأن الجرح الذي تركته الخيانة أعمق من أن يداويه كتاب.
بينما كانت أمل في سجنها كان مراد يعيش مأساته الخاصة، أبوه يحتضر بالسرطان وأخوه الأصغر رضا يحاول الانتحار وأخته حياة تذبل في ظل العنوسة والفقر وأمه تنفق عمرها في مصنع نسيج. إنها لوحة من البؤس الجماعي تشبه عالم إميل زولا الطبيعي حيث الوراثة والبيئة يحددان مصير الإنسان وحيث الفقر ليس مجرد نقص في المال بل هو مرض وجودي يسري في العروق، يفسد الأحلام ويحيل كل حب إلى مأساة. فهل كان حب أمل لمراد حبا له حقا أم كان حبا لفكرة الخلاص التي جسدها؟ وهل كان حب مراد لأمل حبا أم كان تشبثا بطوق نجاة من غرقه الطبقي؟
إن عبقرية شيماء أجباو تتجلى في جعلها لكل هذه الحيوات المتوازية نقطة تقاطع واحدة: القهر، الكل مقهور: أمل مقهورة بالحب، مراد مقهور بالفقر، صوفيا مقهورة بالسؤال، صباح مقهورة بالزواج، الزبير مقهور بالذنب، حياة مقهورة بجسدها، رضا مقهور باليأس. ليس في هذه الرواية شخصية واحدة حرة؛ الجميع يتحركون تحت إكراه القهر، كما يعلن العنوان. إنها شهادة على أن القهر ليس استثناء بل هو القاعدة، ليس عرضا بل هو الجوهر، ليس عارضا بل هو البنية العميقة للمجتمع الذي تصوره الرواية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف ستخرج أمل من هذه الدوامة؟ كيف ستتحول من ضحية إلى فاعلة، من مبني للمجهول إلى مبني للمعلوم؟ لقد جربت الحب فخذلها، جربت الهروب فعوقبت وجربت الانصياع فازدادت اختناقا. لم يبقَ لها سوى خيار واحد وهو الذي ستنكشف ملامحه.
إن الهروب إلى المطلق حيث يصبح الدين أو ما يتخفى بقناع الدين هو البديل الأخير. إنها رحلة من قاع البئر إلى فوهة البركان حيث سيكون الحل الوحيد للألم هو القفز في أحضان ألم آخر، أكبر وأبدي وأوفر وهما.
ثمة لحظة في حياة كل كائن بشري يبلغ فيها الألم حدا لا يعود معه الاحتمال ممكنا، فينقلب الكائن على نفسه أو على العالم أو على الاثنين معا. هذه اللحظة التي يمكن تسميتها بلحظة «الانفجار التراجيدي»، هي ما تشتغل عليه شيماء أبجاو في الذروة الدرامية لروايتها إذ تنهار الجدران التي كانت تحمي الشخصيات من مواجهة العدم وحيث يصبح الموت بأشكاله المتعددة هو البطل الحقيقي الوحيد. كتب كارل ياسبرز في فلسفة الوجود: «الموت هو الحائط الذي تصطدم به الذات لتكتشف حدودها وفي هذا الاصطدام تنكشف لها حقيقة الوجود». وفي «تحت إكراه القهر»، تصطدم كل الشخصيات بهذا الحائط لكن لا أحد منها ينجو، لا أحد يتجاوز ولا أحد يفهم. إنها اصطدامات عمياء تولد انفجارات لا رؤى.
أولاً انهيار صباح والزبير الزوجين اللذين بدآ الرواية كجزارين لينتهيا كضحيتين. لقد بنى الزبير إمبراطوريته الصغيرة على أنقاض امرأتين: زوجته التي حولها إلى كائن محترق وابنته التي سجنها في فيلا نائية. لكن ما لم يدركه الزبير هو أن القهر كأداة للسيطرة له قوانينه الخاصة التي تنقلب على صاحبها؛ إنه يرتد كما يرتد السيف ليجرح من يحمله. حين يكتشف الزبير أن ابنته أمل قد ذهبت إلى الجهاد ينهار عقله، ليس لأنه فقدها فقط بل لأنه فقد السيطرة، لأنه أدرك أن مشروعه الأبوي القائم على الامتلاك والتحكم قد فشل فشلاً ذريعا. في لحظة انهياره يقود سيارته الكلاسيكية بسرعة جنونية مصطحبا صباح، صارخا: «أنت السبب في كل شيء… سنتجه الآن رأسا إلى الجحيم». إنه مشهد نهائي يستعير كثافة التراجيديا الإغريقية إذ لا فرق بين الضحية والجلاد، حيث يموت البطل بعد أن يكتشف متأخرا أنه كان عدو نفسه الأول.
أما صباح فمصيرها لا يقل فظاعة، تلك المرأة التي أمضت عمرها في كراهية ابنتها، في التنافس معها على حب رجل لا يحب أحدا، تستيقظ من غيبوبتها لتجد نفسها أرملة لتدرك في لحظة صفاء متأخرة أنها أهدرت حياتها في حرب خاسرة ضد شبح. تقول لها صوفيا في المشفى: «سيكون كل شيء بخير»، لكن لا شيء سيكون بخير أبدا؛ لأن بعض الجراح لا تلتئم وبعض البيوت لا تُرمم وبعض الأرواح تموت قبل أن تموت أجسادها بزمن طويل. إن موت صباح وزوجها ليس مجرد نهاية درامية بل هو تجسيد رمزي لانهيار النظام الأبوي الذي ظن أنه أبدي فإذا به هش كبيت العنكبوت.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في موت الآباء بل في موت الأبناء، أولئك الذين كان يُفترض أن يكونوا مستقبلاً فأصبحوا وقودا لجحيم لم يشعلوه. لننظر إلى رضا الأخ الأصغر لمراد، الفتى المراهق الذي حاول الانتحار طعنا ثم حاول الهجرة سرا إلى الضفة الأخرى ليموت غرقا أو اختناقا داخل شاحنة على الحدود بين عالمين. إن رواية رضا هي رواية الفقراء الصامتين، أولئك الذين لا يجدون في هذا العالم موطئ قدم فيرمون بأنفسهم في البحر ليس حبا في الموت بل هروبا من حياة لا تستحق أن تُعاش. في وصف محاولته السرية لدخول الميناء تكتب أبجاو: «كانوا يبدون أجسادا منزوعة الأرواح، هيئات رثة، وجوه شاحبة، عيون زائغة». إن هذا الوصف المكثف يختصر مأساة جيل كامل من الشباب المغربي الذي علق بين حلم أوروبا الزائف وجحيم الواقع المحلي فكان مصيره الفناء المجهول، دون قبر، دون شاهد، دون حتى شاهد على موته.
أما حياة أخت مراد، فتشكل حالة خاصة من القهر المؤنث. إنها العانس تلك الكلمة التي تحول المرأة إلى سلعة منتهية الصلاحية وإلى جسد بلا قيمة لأنه لم يُبَع في سوق الزواج. تصفها الرواية بأنها «تكظم وتكتم، تشهق وتزفر، الصراخ ممنوع بين جدران يحيط بها آذان متربصة وعيون متوجسة». ولكن تحت هذا الصمت تنمو يرقة تمرد سرعان ما تتحول إلى فراشة احتراق حين تقع في شباك الجارة ثريا التي تجرها إلى عالم الليل والانحلال. إن سقوط حياة في مستنقع الدعارة ليس كما قد يبدو انهيارا أخلاقيا فحسب، بل هو ثورة جسد ضد قهر طويل، محاولة يائسة لأن تشعر أنها حية، أنها مرغوبة، أنها موجودة ولو للحظة. إن جسدها الذي عوقب عمرا كاملاً لأنه معاق، ينتقم الآن، يعلن وجوده بأكثر الطرق انحرافا لأنه لم يجد طريقا آخر للتحرر.
ثم تأتي لحظة التحول الكبرى في الرواية، تحول مراد من عاشق شاعر إلى متطرف ديني، من «الحبيب الأديب» إلى «أبو رضا» الذي يقول لأمل حين تبحث عنه: «أرجوك يا أختي الفاضلة، اتركيني في سلام». هنا يبلغ القهر ذروته، ليس فقط لأنه يدمر العلاقات بل لأنه يغير ملامح الوجود. إن مرادا الذي كان يكتب الشعر ويغازل باللغة ويحلم بالحب لم يعد موجودا؛ لقد ابتلعته دوامة التطرف فصار جسدا بلا روح أو روحا بلا جسد. إن تحوله هذا ليس مجرد تديّن بل هو في التحليل النفسي العميق، هروب من مواجهة الفشل وتعويض عن العجز واستبدال لحب امرأة بحب فكرة مطلقة لا يمكن أن تخونه. كتب إريك فروم: «إن الإنسان يهرب من الحرية حين تصبح ثقيلة جدا فيسلم أمره لسلطة تريحه من عبء الاختيار». وهذا تماما ما فعله مراد، استبدل حرية الحب المعقدة بطاعة عمياء لفكرة بسيطة مانحة للأمل الزائف قاتلة للحياة.
وفي قلب هذا الخراب الشامل تظهر أمل لا كضحية بل كفاعلة لتتخذ القرار الأكثر إثارة للجدل في الرواية، الالتحاق بمراد في أرض الجهاد. إن قرارها هذا ليس كما قد يُظن مجرد تعلق أعمى بحبيبها بل هو كما تشرح في رسالتها لصوفيا، اختيار وجودي متكامل: «لقد اخترت سبيل الله وتوجهت إلى أرض الجهاد. قد لا أفلح في إقناعك أن قراري صائب لكن يهمني أن تدركي أنه شخصي وهو ليس وليد انفعال ولا تأثر بل جاء بعد لأي ومشقة وبحث وتنقيب وإني مقتنعة». في هذه الرسالة تتحول أمل من موضوع للقهر إلى ذات فاعلة تختار طريق هلاكها بإرادتها وكأنها تقول: «سأموت، لكنني سأموت كما أريد، لا كما تريدون». إن هذا القرار هو أقصى أشكال التمرد في عالم مسلوب الإرادة؛ حيث يصبح اختيار الموت هو الفعل الحر الوحيد المتبقي.
وتصل بنا الرواية إلى مفترق طرق وجودي، كل الشخصيات التي عشقناها أو كرهناها تتداعى نحو الهاوية. صباح والزبير يموتان في حادث سيارة، رضا يغرق في البحر، حياة تسقط في الهاوية الأخلاقية، مراد يذوب في آلة الموت المقدس وأمل تمضي طواعية إلى المجهول. إن هذا الانهيار الشامل ليس تشاؤما فنيا بل هو إدانة أخلاقية لعالم لا يترك للإنسان خيارا إلا بين أنواع مختلفة من الموت. وكما قال تيودور أدورنو بعد أوشفيتز: «لم يعد من الممكن كتابة الشعر»، كذلك يبدو أن أبجاو تقول: «لم يعد من الممكن عيش الحب أو الأمل أو الحياة» في عالم يحكمه القهر. لكنها بكتابتها الرواية، تفعل بالضبط ما قال أدورنو إنه مستحيل، إنها تكتب الشعر أي تخلق الجمال من قلب المأساة، من صميم القهر، من جوف العدم. وهذا هو الدرس الأخير الذي ستكشف عنه الرواية، وهو أن الشهادة على القهر حتى لو لم تغيره فهي فعل مقاومة في ذاته، هي عناق أخير للحياة، هي مرثاة لكنها أيضا نشيد.
في النهاية لا ينتصر أحد. هذه هي الحقيقة المرة التي تودعنا بها شيماء أبجاو في الصفحة الأخيرة من روايتها، حين تكتب بجملة مقتضبة كطعنة سكين: «ليفوز القهر على الجميع». إنها جملة لا تحتمل التأويل ولا تترك للقارئ مهربا في الأمل الزائف أو التعزية الرخيصة. ومع ذلك فإن هذه الجملة نفسها في جفافها وصرامتها تحمل مفتاح القراءة الأعمق للرواية كلها، هل يفوز القهر حقا؟ وإذا كان قد فاز فلماذا كُتبت الرواية إذن؟ لماذا هذه الشهادة المطولة على الهزيمة إن لم تكن في جوهرها فعل مقاومة وشكلاً من أشكال الانتصار المؤجل وهتافا صامتا في وجه العدم؟
لقد تابعنا عبر فصول هذه القراءة مسارات الشخصيات وهي تتهاوى الواحدة تلو الأخرى، كقطع الدومينو في سلسلة من السببية التراجيدية. صباح التي بدأت كجلاد، انتهت ضحية لجريمتها الخاصة، جريمة عدم الحب. الزبير الذي ظن أن المال والسلطة يمكنان من شراء كل شيء اكتشف في لحظة انهياره أن ابنته الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يمنح حياته معنى قد ذهبت إلى حيث لا تصل أمواله. رضا الطفل الذي حلم ببلاد أخرى مات على بعد أمتار من الشاطئ الآخر، ممسكا بحلمه كما يمسك الغريق بقشة. حياة التي عوقبت طيلة عمرها على جسدها عاقبت جسدها بالغرق في مستنقع لم تختره بحثا عن قبول لم تجده في أي مكان آخر. هنيّة الأم التي فقدت أبناءها واحدا تلو الآخر ماتت مختنقة بدموعها تاركة خلفها بيتا خاويا على عروشه كقلبها تماما. صوفيا العقل الذي أراد أن يفهم كل شيء انتهى بها الأمر غارقة في بحر من الأسئلة بلا إجابة مخدرة بالعقاقير ميتة على سريرها وعيناها المفتوحتان تسألان «لماذا؟» للأبد. مراد الشاعر الذي حلم بالحب والجمال تحول إلى آلة موت متنقلة تفخخ نفسها بالأوهام وتنتظر لحظة الانفجار. وأمل بطلة الحكاية التي بدأت رحلتها بالقول: «لن أكون مثل أمي»، انتهت إلى حيث لا رجعة، ذاهبة إلى أرض الجهاد لا لتحرر أرضا بل لتحرر نفسها من نفسها، من ذاكرتها ومن جرحها الأول.
وحدها صوفيا في لحظة موتها تختصر المأساة بأكملها. إنها الشخصية التي آمنت بالعلم، بالعقل، بالمنطق وبالمعادلات الرياضية التي يمكنها تفسير كل شيء. كانت تظن أنها بفهمها للدماغ البشري ولكيمياء المشاعر وللدوافع الخفية، يمكنها أن تنجو من القهر الذي يبتلع من حولها. كانت تظن أن المعرفة واقية وأن الفهم درع وأن الوعي سيف. لكن المعرفة لم تنقذها والفهم لم يحصنها والوعي لم يحمها. في النهاية سقطت صوفيا لا لأنها كانت ضعيفة بل لأنها كانت إنسانية إلى أقصى حدود الإنسانية، مهشمة من الداخل وحاملة لجرح لم يستطع العلم أن يشفيه. إن موتها هو الهزيمة الأكبر للمشروع التنويري الذي آمنت به؛ إنه القول بأن العقل وحده لا يكفي وأن ثمة فراغا في الروح لا تملؤه المعادلات وظمأً في القلب لا يرويه العلم ووحشة في الوجود لا تبددها النظريات. كتبت سيمون دو بوفوار في «أخلاقيات الغموض» تقول: «إن مأساة الإنسان لا تكمن في أنه يموت بل في أنه يعيش دون أن يفهم لماذا». وصوفيا التي ماتت تسأل «لماذا؟»، لم تفهم لأن الفهم لم يكن أبدا مسألة عقل فقط بل مسألة وجود كامل لا يتجزأ.
وينتصر القهر لكن أي قهر هذا الذي نتحدث عنه؟ إن قهر رواية شيماء أبجاو ليس مجرد قهر اجتماعي ولا قهر سياسي ولا قهر اقتصادي مع أنه كل ذلك. إنه قهر وجودي، قهر الكينونة وهي تكتشف ببطء وبقسوة أنها لم تُسأل عن ميلادها ولم تُخير في ظروفها ولم تمنح فرصة عادلة في سباق الحياة. إنه القهر الذي تحدث عنه مارتن هايدغر حين قال: «إننا نُرمى في العالم»، أي أننا نوجد دون إرادتنا في زمان ومكان لم نخترهما وفي جسد لم نصنعه وفي أسرة لم نخترها وفي طبقة لم نقررها ومنذ اللحظة الأولى تبدأ المعركة غير المتكافئة بين الذات التي تريد أن تكون حرة والوجود الذي يفرض عليها شروطه. هذا «الرمي في العالم» هو الجرح الأول وهو القهر الأصلي الذي تتفرع منه كل القهور الأخرى. ومن هنا فكل الشخصيات في الرواية تحارب ليس ضد ظروفها فقط بل ضد وجودها ذاته، ضد حقيقة أنها موجودة وأن هذا الوجود مبني على أنقاض الحرية.
ولكن هل من معنى لهذا الموت الجماعي؟ هل من جدوى لهذه الدماء المسفوحة على صفحات الرواية؟ هنا بالضبط يكمن الدرس الأخير والسر الدفين الذي تخبئه لنا الروائية، الموت الجماعي ليس نهاية بل هو شهادة. والرواية ليست مجرد سرد للموت بل هي كتابة على شواهد القبور، شهادة تمنح للموتى أصواتا لم تكن لهم في الحياة وتعطي للمقهورين ألسنة نطقت بها الرواية بعد أن خرستهم الحياة. كتب جاك دريدا في تأملاته عن الموت والكتابة: «الكتابة تبدأ حيث ينتهي الصوت، إنها الأثر الذي يتركه الغائب، إنها حضور الغياب». وهذه الرواية بكتابتها لكل هذه الموتى تحولهم من غائبين إلى حاضرين، من منسيين إلى مذكورين ومن ضحايا مجهولين إلى أبطال مأساة إنسانية كبرى. حين نقرأ عن صباح، عن الزبير، عن رضا، عن حياة، عن صوفيا، عن مراد، عن أمل، فإننا نمنحهم ما حرموا منه في حياتهم، الاعتراف بوجودهم وبالاستماع إلى أصواتهم وبالشهادة على آلامهم. إن الرواية في هذا المعنى هي تعويض رمزي وهي عدالة شعرية تؤديها الكاتبة لشخصياتها وللقارئ الذي يجد فيها صدى لجراحه الخاصة.
وهذا هو ما يجعل من فعل الكتابة في ذاته انتصارا على القهر حتى لو كان القهر هو الذي يفوز في النهاية داخل عالم الرواية. فلو كان القهر قد فاز فعلاً وبشكل مطلق لما كانت هذه الرواية موجودة. وجود الرواية هو الدليل على أن القهر لم ينتصر كليا لأن ضحية القهر قد تكلمت وشهدت وكتبت وخلقت من رحم الألم جمالاً. وكما قالت جوديث بتلر في تحليلها للخطاب والسلطة: «إن إعادة تسمية الألم هي فعل سياسي، إنها وسيلة لإخراج الجرح من الدائرة الخاصة إلى الفضاء العام، حيث يمكن أن يتحول من مصدر للعار إلى مصدر للقوة». وهذا تماما ما تفعله شيماء أبجاو، إنها تخرج الجرح من صمتها، تعلنه، تسميه، تضعه أمام أعيننا وتقول لنا: «انظروا، هذا ما فعلته بنا الحياة، هذا ما فعلته بنا الأسرة، هذا ما فعله بنا المجتمع، هذا ما فعلناه بأنفسنا». في هذا الإعلان تكمن مقاومة ما لأن ما يُسمى يُفهم وما يُفهم يمكن مواجهته حتى لو كانت المواجهة مجرد شهادة.
ثم إن الرواية في بنائها المتعدد الأصوات تقدم لنا درسا آخر لا يقل عمقا، ألا وهو القهر المتعدد، لكنه واحد في جذره. قهر المرأة، قهر الفقير، قهر الطفل، قهر العانس، قهر الشاب العاطل، قهر المهاجر السري، قهر المتطرف، قهر المثقف المنعزل… كلها أقنعة لقهر واحد، قهر الوجود في عالم لا يعترف بكرامة الإنسان إلا بشروط. وهذه الشروط في عالم الرواية هي المال والسلطة والجمال والانتماء الطبقي والجنس والدين. كل شخصية تفتقد واحدا أو أكثر من هذه الشروط، ولأنها تفتقده فإنها تُسحق. وهكذا تتحول الرواية إلى سجل أنثروبولوجي لضحايا مجتمع لا يرحم، مجتمع يأكل أبناءه بهدوء، ثم يلقي بجثثهم في البحر أو في المشفى أو في أرض الجهاد.
لكن هل كان بالإمكان تجنب هذه النهايات؟ هل كان ثمة طريق آخر؟ ربما نطرح هذا السؤال على الشخصيات فلا تجيب، لأنها لم ترَ الطريق الآخر. لقد كان العمى هو سيد الموقف، كل شخصية عمياء بطريقتها. صباح عمياء عن حب ابنتها، الزبير أعمى عن احتياجات أسرته، أمل عمياء عن حقيقة مراد، مراد أعمى عن نفسه، صوفيا عمياء عن حدود العقل، حياة عمياء عن كرامتها… إنهم جميعا سائرون في الظلام، يتخبطون، يصطدمون، يسقطون. ومع ذلك فإن القارئ الذي يرى كل هذه العتمات من موقعه المتميز يمكنه أن يستخلص درسه الخاص، أن يرى ما لم تره الشخصيات وأن يفهم ما لم يفهموه. وهذا بالتحديد هو ما يجعل الرواية رغم كل مآسيها عملاً أخلاقيا، إنها تمنحنا الفرصة لنفهم ولكي لا نكرر الأخطاء نفسها ولكي ننتبه إلى العمى قبل أن يفتك بنا.
وفي قلب هذه المأساة المتشعبة يبرز سؤال مركزي طالما شغل الفلاسفة والمتصوفة على حد سواء، هل يمكن للإنسان أن يختار حتفه؟ هل الانتحار بأشكاله المتعددة هو الفعل الحر الوحيد المتبقي لنا؟ لقد انتحر الزبير وانتحر رضا وانتحرت صوفيا وانتحرت أمل بطريقتها، بل إن كل الشخصيات تقريبا سارت نحو حتفها بوعي أو بدونه، مختارة أو مدفوعة. الموت هنا ليس قضاء وقدرا بل هو تتويج لسلسلة من الاختيارات الصغيرة التي قادت إلى الهاوية.
كتب ألبير كامو في مفتتح «أسطورة سيزيف»: «ليس ثمة سوى مشكلة فلسفية واحدة جديرة بالاهتمام حقا ألا وهي الانتحار. أن نحكم إن كانت الحياة تستحق أن تُعاش أو لا تستحق، فهذا هو الجواب عن السؤال الأساسي للفلسفة». وشخصيات الرواية كل بطريقتها أجابت عن هذا السؤال بـ«لا»، لأن الحياة التي عُرضت عليها لم تكن تستحق العناء. لكن الساردة بكتابتها تقول شيئا آخر: إن الحياة حتى في أسوأ صورها تستحق أن تُروى. قد لا تستحق أن تُعاش لكنها تستحق أن تُحكى. وهذا هو الفارق الدقيق بين من يموت صامتا ومن يموت بعد أن يترك أثرا.
أما تحول مراد وأمل إلى التطرف الديني فهو في تصوري المتواضع أقسى تجليات القهر في الرواية. لأن القهر هنا لا يأتي من الخارج فقط بل يتم استبطانه ويتحول إلى عقيدة وإلى مشروع وجودي وإلى «اختيار» يظن صاحبه أنه حر، بينما هو في الحقيقة أقصى أشكال العبودية. لقد هرب مراد من الفشل في الحب إلى «النجاح» في الموت واستبدل أمل التي أحبته بأمل أخرى وهمية اسمها الجنة. وهربت أمل من خيبة الحب إلى حب أكبر، من رجل خذلها إلى إله لن يخذلها، متناسية أن هذا الإله كما صوّره لها خطاب التطرف ليس سوى الأب الذي لم تحظَ به مضخما إلى أبعاد كونية. إن التحليل النفسي العميق لهذا التحول ليقول لنا إن الحاجة إلى الإيمان المطلق، إلى القضية الكبرى، إلى الموت في سبيل فكرة ليست سوى تعويض عن نقص الحب الأول ونقص الاعتراف ونقص المعنى. لقد بحثت أمل عن أبيها طيلة الرواية فلما لم تجده في الزبير ولا في مراد، بحثت عنه في السماء فإذا بها تجد بدلاً منه فراغًا آخر أعظم وأكثر رهبة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي تختتم بها هذه القراءة، إن أمل وهي ذاهبة إلى الجهاد كتبت رسالتها الأخيرة لصوفيا، تلك الرسالة التي هي في آن اعتراف ووصية وبيان وجودي. تقول فيها: «إني اليوم أقرب إلى السعادة والسلام الداخلي من أي وقت مضى». كم هي مفزعة هذه الجملة! أن تجد السعادة في الموت، أن تجد السلام في الذهاب إلى الحرب، أن تجد المعنى في اللاشيء… هذا هو قمة القهر، أن يصل الإنسان إلى حالة من الرضا المطلق بمصيره التعس وأن يهلوس بالسعادة وهو يسير نحو الهاوية. لقد تحدث سبينوزا عن «الوعي الكاذب» الذي يجعل العبد يحب عبوديته ويظن أنه حر. وأمل في نهايتها بلغت هذا الوعي الكاذب ذروته، لقد أحبت سجنها الجديد وآمنت بأن الذهاب إلى الموت هو الحرية. إنها خاتمة تراجيدية لكنها خاتمة منسجمة تماما مع منطق الرواية الداخلي حيث لا مخرج يصبح الوهم هو المخرج.
ومع ذلك وكما أشرنا في البداية فإن وجود هذه الرواية بين أيدينا هو في حد ذاته دليل على أن القهر لم يفز تماما. لأن الكاتبة بكتابتها لهذه المأساة، تكون قد مارست أقصى درجات الحرية الممكنة في عالم مسلوب الإرادة، حرية القول، حرية الشهادة وحرية الحكي. إنها لم تغير العالم ولم تنقذ شخصياتها ولم تقدم حلولاً سحرية لكنها فعلت ما هو أهم من ذلك كله، لقد منحت صوتا لمن لا صوت لهم ووجها لمن لا وجه لهم واسما لمن لا اسم لهم. وحين يُمنح المقهور اسما يصبح إنسانا وحين يصبح إنسانا يصبح موته مأساة لا مجرد إحصائية في سجلات أخبار الحوادث.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للعنوان: «تحت إكراه القهر». إن كلمة «تحت» تشير إلى وضعية السحق، إلى الثقل الذي يطحن وإلى السقف الذي يمنع الوقوف. لكنها في الآن نفسه تشير إلى ما تحت هذا الثقل، أي إلى الأساس، إلى الأرضية وإلى ما تبقى من إنسانية تحت الأنقاض. والرواية تحفر، تنبش، تبحث تحت أنقاض القهر عن بقايا الروح البشرية، عن بقايا الحب، عن بقايا الحلم. ولا يهم إن كانت هذه البقايا ميتة؛ المهم أنها وجدت وأن أحدا شهد عليها وأن هذا الشاهد هو في نهاية المطاف نحن القراء.
ولعل بول ريكور الفيلسوف الذي كرس حياته لتأويل النصوص وفهم السرد حيث يقول: «إن الحكي هو الوسيلة التي نمنح بها المعنى للمعاناة والطريقة التي نحوّل بها الصدمة إلى ذاكرة والذاكرة إلى هوية والهوية إلى مشروع».
إن رواية «تحت إكراه القهر» هي بالضبط تحويل للصدمة إلى ذاكرة والذاكرة إلى هوية والهوية إلى مشروع شهادة. إنها في عمقها ليست رواية عن الموت بل عن البقاء؛ ليس عن الهزيمة بل عن الصمود في وجه الهزيمة بالكلمة؛ ليس عن القهر بل عن الإنسان الذي يرفض حتى وهو يُسحق أن يموت صامتا. وهذا الرفض هو البذرة الوحيدة الممكنة لانتصار قادم حتى لو لم تزهر في أرض هذه الرواية.
وتسدل الرواية ستارها إذ تتركنا أمام مرآة وجودنا البشري الهش حيث القهر هو القاعدة والحب هو الاستثناء المؤقت والموت هو الحل الوحيد الذي يبدو متاحا. لكنها أيضا تتركنا أمام حقيقة أن ثمة من يكتب وثمة من يقرأ وثمة من يشهد. وفي هذه الأفعال الثلاثة يكمن أمل ما، أمل لا تعلنه الرواية صراحة بل تتركه لنا، للقارئ لنخترعه بأنفسنا ولنزرعه في أرض الواقع عسى أن ينبت يوما ما، في عالم غير الذي قرأنا عنه، عالم لا يفوز فيه القهر على الجميع أو على الأقل لا يفوز فيه بصمت.



