مقالات

رسالة لا استعراض

أميمة عبدالعزيز زاهد

العطاء معنى جميل يرفع من قيمة الإنسان، ويجعله أقرب للآخرين بروحه لا بما يملكه من مال أو منصب. وهو رسالة إنسانية قبل أن يكون مجرد فعل، لأنه يزرع في المجتمع روح التكاتف ويُشعر كل فرد أنه جزء من أسرة كبيرة.

لكن المؤسف أننا في هذه الأيام صرنا نرى صورًا مختلفة لمفهوم العطاء، تحوّل عند بعض الناس إلى مادة إعلامية أكثر من كونه رسالة إنسانية. فبدل أن يكون الهدف مساعدة المحتاجين بصمت، أصبح همّ البعض أن تُلتقط لهم الصور وأن تُنشر مقاطعهم وهم يقدّمون المساعدات. وتُبرَّر هذه الأفعال بأنها “تجذب العطف” أو “تلهم الآخرين للمشاركة”، مع أن الواقع في أحيان كثيرة يُظهر أنها مجرد وسيلة للظهور وحصد الإعجابات.

نحن لا ندخل في نيات أحد، فالله وحده يعلم ما في القلوب، ولكننا نتحدث عن المشهد الظاهر الذي يؤثر على صورة العطاء نفسها. فالمحتاج حين يُعرض وجهه أمام الناس قد يشعر بالمهانة، وكأن معاناته أصبحت وسيلة للشهرة. في حين أن العطاء الحقيقي يجب أن يحفظ كرامته ويُخفف ألمه، لا أن يضيف له عبئًا جديدًا.

وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271]. هذه الآية توضح أن الأصل في العطاء أن يكون خفيًا، فالإخفاء أقرب للإخلاص وأبعد عن الرياء.

وكذلك جاء في الحديث الشريف قول النبي ﷺ: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». وهو مبدأ عظيم يعلّمنا أن قيمة الصدقة تكمن في نيتها وصفائها، لا في حجم الضوضاء المصاحبة لها.

الفرق كبير بين التوثيق المحترم الذي يركز على قيمة العمل نفسه، وبين الاستعراض الذي يجعل المحتاج أداة لفت الأنظار. التوثيق قد يكون مفيدًا لتشجيع الناس ودعم المشاريع، لكن دون إظهار الأشخاص أو جرح مشاعرهم. أما الاستعراض فيُحوّل الخير من رسالة إنسانية إلى عرض مفتوح لا يضيف إلا ضجيجًا.

الرسالة الحقيقية أن الخير لا يحتاج إلى كاميرا ولا إلى أضواء، بل يحتاج إلى قلب مخلص يعرف أن قيمة الإنسان بما يمنحه بصمت، لا بما يستعرضه أمام الناس. ومن أراد أن يترك أثرًا يبقى، فليجعل عطاءه نابعًا من الإخلاص، لا من الرغبة في الظهور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com