مقابلات وتقارير

د. ابتسام فران : أكتب لأفهم الإنسان… والطب والأدب وجه واحد

حوار: عادل النعمي ـ كاتب وناقد

د. ابتسام فران ليست مجرد طبيبة تمارس مهنتها في حدودها التقليدية، بل تمثل نموذجًا نادرًا للكاتب الذي يصوغ المعرفة العلمية في قالب سردي رفيع، ويعيد إنتاج التجربة الإنسانية بلغة تمتلك عمق الرؤية ودقة الملاحظة.

صحيفة (الاتجاه) تلتقيها في هذا الحوار، لنقترب من طبيبة كاتبة استطاعت أن تفرض اسمها كصوت سردي لافت، يجمع بين الحس التحليلي والقدرة على النفاذ إلى الطبقات الخفية في النفس البشرية

في تجربتكِ التي تجمع بين الطب والأدب، يبرز سؤال البدايات دائمًا: متى انتبهتِ لأول مرة إلى الكاتبة التي كانت تنمو في داخلكِ قبل أن تعلن حضورها على الورق؟

الكتابة في حياتي رحلة طويلة بدأت منذ الطفولة.

في البداية، لم تكن نهجًا منظّمًا ولا قرارًا مفاجئًا، بل كانت حصيلة انتباهات متراكمة لتفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها أحد.

في طفولتي، كنت أقضي ساعات طويلة في القراءة. وخلال قراءاتي لكبار الأدباء، اكتشفت أنني لا أكتفي بالاستمتاع بما أقرأ، بل أحاول إعادة صياغته، وإضافة زوايا جديدة لم يتطرق إليها أحد، إلى جانب رؤيتي الخاصة للعالم.

ومع الوقت، بدأت أشعر أن الأفكار والكلمات تتراكم داخلي، وتحتاج إلى منافذ للتفريغ. عندها أصبحت الكتابة بالنسبة لي حاجة ملحّة.

بين مهنةٍ تقوم على العلم والدقة مثل الطب، وعالمٍ يقوم على الخيال والرؤية مثل الأدب، تبدو المسافة واسعة ظاهريًا… لكن تجربتكِ توحي بأن بينهما خيطًا خفيًا يربطهما في فهم الإنسان.

كيف يتكامل هذان العالمان في حياتكِ؟

وهل كان لاحتكاككِ اليومي بالإنسان في مهنة الطب دور في إلهامكِ الأدبي وصياغة رؤيتكِ للكتابة؟

كثيرًا ما يُطرح عليّ هذا السؤال، وكأن الطب والأدب خطّان متوازيان لا يلتقيان، لكن الحقيقة أنهما ليسا سوى وجهين لحقيقة واحدة: الإنسان.

في الماضي، كان الطبيب يُسمّى (حكيمًا) لأن دوره لم يكن محصورًا في دراسة الأمراض وعلم الأبدان فقط، بل كان يمتد إلى الغوص في مختلف العلوم الإنسانية؛ من الشعر والفلسفة إلى علم الفلك وعلم الاجتماع. كان ذلك إدراكًا مبكرًا لاستحالة فصل الإنسان عن سياقاته الفكرية والثقافية والنفسية.

وليس من المستغرب أن نجد عددًا من كبار الأدباء كانوا أطباء في الأصل، مثل تشيخوف ودوستويفسكي وآرثر كونان دويل وابن سينا.

هذا التداخل بين المجالين لم يكن استثناءً بقدر ما كان تعبيرًا عن طبيعة واحدة مشتركة: الاقتراب العميق من الإنسان.

فالتعامل اليومي مع الجسد البشري في لحظاته الحرجة يفتح نافذة أعمق على النفس الإنسانية، ويمنح الطبيب فهمًا دقيقًا للدوافع الخفية، ولطبقات المعاناة التي لا تُرى بسهولة، وهي ذاتها المادة الخام التي يتشكّل منها الأدب الحقيقي.

يقول الروائي التونسي محمد اليوسفي ( يصعب تحديد دوافع الكتابة بعد التورط فيها، في البدء ، تكون الكتابة بحثًا عن الحلم والأمل المطلق. ثم يتعرى كل شيء مع تقدم التجربة والعمر ) هل توافقينه الرأي وما رأيك فيما يقول ؟

أصعب سؤال يُطرح على الكاتب هو: لماذا تكتب؟ رغم بساطته الظاهرية.

تبدأ الكتابة في الغالب مدفوعة برومانسية الحلم؛ نكتب لنحلم، ولنخلق عوالم نرغب في أن توجد، ولو على الورق. في هذه المرحلة تكون الكتابة امتدادًا للرغبة في الهروب، أو على الأقل في تعويض ما لا تمنحه الحياة.

ثم تتحول تدريجيًا من وسيلة للهروب إلى وسيلة للمواجهة؛ فحين يكتسب الكاتب أدواته، يبدأ في كتابة ما يعتمل داخله من أسئلة وتوترات ورؤى. نكتب لنفهم، لنقرر، لنصلح، لنضيء مناطق معتمة، أو لنحفظ ما نخشى ضياعه.

أما المرحلة الأخيرة فهي مرحلة المكاشفة؛ حيث لا تعود الكتابة وسيلة بل غاية في ذاتها… هنا يصبح النص أداة لاكتشاف المضمون، ويتعلم الكاتب من خلال ما يكتبه أكثر مما يخطط له. يتراجع البحث عن الشهرة أو الأثر الخارجي، لصالح حاجة أعمق للفهم وإعادة ترتيب العالم داخليًا.

في هذه النقطة تحديدًا، يتحول القلم إلى أداة للحكمة لا للتعبير فقط، وتغدو الكتابة جزءًا من كينونة الكاتب لا مجرد ممارسة.

ومن هنا نصل إلى ما يمكن تسميته بالتورط الجميل حين لا يعود الكاتب يمارس الكتابة، بل يصبح منخرطًا فيها حدّ التماهي، بحيث تغدو جزءًا من هويته، وامتدادًا طبيعيًا لوجوده.

 (دفوف حجازية وفلامنكو أندلسي) هنا عنوان يوحي بتموسقٍ ارتبط بجزء من ثقافات المناطق ! لماذا تحديدا اخترتِ هذا العنوان ؟

حين اخترت عنوان هذه الرواية، أردته عنوانًا موسيقيًا، لأن الموسيقى في تصوراتي تمثل الهوية في أرقى تجلياتها؛ حيث تختزل الإحساس قبل أن تُترجم الفكرة.

الدفوف، في رمزيتها الأولى، بسيطة وبريئة، خالية من أي بذخ أو تعقيد. إنها تحمل دلالة البدء، لحظة الفتح في طوره الأول، وبدايات الحلم الإسلامي في امتداده الأولي. هناك، في هذا الإيقاع البدائي، تتجسد فكرة الدخول الأولى إلى الأندلس، بوصفها دخولًا محمّلًا بصفاء الوجود الأول وبساطته الخام.

في المقابل، يأتي الفلامنكو بوصفه نقيضًا حادًا: ألوان صارخة، حركات عنيفة، وموسيقى شديدة التعقيد والتوتر.

إنه يرمز إلى لحظة النضج الحضاري المثقل بالتراكمات، وإلى الخروج الذي لا يتم دون ألم، حيث يمتزج القهر بالذاكرة، ويحدث نوع من الانصهار الحضاري العنيف.

من هنا، تبدو الرواية وكأنها حركة بين نقطتين: نقطة الدخول ونقطة الخروج، بين البدايات البسيطة والنهايات المركبة… بين الصفاء الأولي والتعقيد المتراكم.

وفي هذا الامتداد، تتقابل ثنائيات متعددة: البساطة في مواجهة التعقيد، والمحلي في مواجهة العالمي، كأن النص بأكمله محاولة لالتقاط المسافة بين ما كنا عليه وما أصبحناه.

د. ابتسام: حدثينا عن رواية دفوف حجازية وفلامنكو أندلسي …

تدور هذه الرواية حول رحلة شخصية للبحث عن الجذور المنسية، في سردٍ يتقاطع فيه الواقعي مع المتخيَّل، حتى يقترب أحيانًا من ملامح السيرة الذاتية، دون أن يتخلى عن بنيته الروائية الخالصة.

بطلة القصة طبيبة من الحجاز، تعيش حياة تبدو مستقرة في ظاهرها، قبل أن تنقلب مساراتها فجأة حين تُتَّهم زورًا بقتل أحد المرضى، إثر حادثة يلتبس فيها الفهم وتتداخل فيها المسؤوليات. هذا الاتهام لا يضعها أمام القضاء فقط، بل أمام مطاردة قاسية تدفعها إلى الهروب من بلد إلى آخر، في سلسلة من التحولات التي تعيد تشكيل هويتها على نحو متدرج ومؤلم.

ومع امتداد الرحلة، لا يكون الهروب مجرد انتقال جغرافي، بل يتحول إلى مسار داخلي نحو تفكيك الذات وإعادة تركيبها. حتى تصل في النهاية إلى إسبانيا، حيث تبدأ طبقات الذاكرة المنسية في الانكشاف، وتكتشف جذورًا أندلسية كامنة في امتداد تاريخ عائلتها، وتراثًا لم يكن حاضرًا في الوعي لكنه ظل يعمل في العمق.

هكذا لا تنتهي الرواية عند حدود المطاردة أو النجاة، بل عند لحظة اكتشاف الهوية بوصفها أثرًا ممتدًا عبر الزمن، حيث يصبح الماضي ليس مجرد خلفية، بل قوة فاعلة تعيد تشكيل الحاضر وفهم الذات من جديد.

اختيار المكان في العمل الأدبي غالبًا لا يكون اعتباطيًا، بل يحمل خلفه دلالاتٍ وتجارب تقود الكاتب إلى فضاءٍ بعينه. في تجربتكِ السردية يبرز حضور إسبانيا بوصفها محطة مركزية في الحكاية والبحث. ما الذي جذبكِ تحديدًا إلى هذا المكان؟

 وكيف قادتكِ هذه الوجهة إلى استكشاف طبقات أعمق من التاريخ والهوية؟

لم أكن أفكر إطلاقًا في كتابة رواية تاريخية قبل هذه التجربة؛ كان الأمر أقرب إلى المصادفة، أو ربما – إذا أردت تسميته بدقة أكبر – تدبيرًا خفيًا من القدر.

لم تكن لدي معرفة سابقة بتاريخ الأندلس، ولا انشغال خاص به، إلى أن وقعت بين يدي مخطوطة تاريخية تشير إلى أسماء العائلات التي تم ترحيلها من غرناطة. وهناك، بشكل مباغت، وجدت اسم عائلتي ضمن تلك السجلات.

في تلك اللحظة، بدا الأمر كأن التاريخ نفسه يفتح لي بابًا مؤجلًا، أو يكشف عن سر ظلّ مطويًا لقرون. هذا الاكتشاف قادني إلى مسار بحث طويل، تتبعت فيه شجرة العائلة، وعدت إلى كتب الأنساب، والمصادر الأندلسية، ووثائق محفوظة في المغرب.

كما تواصلت مع أفراد من العائلة في المغرب وإسبانيا والمكسيك والبرازيل، حتى بدأت الصورة تتضح تدريجيًا، لا بوصفها حكاية محتملة، بل كنسيج تاريخي متماسك.

ومن بين ما تكشف لاحقًا، أن اسم (فران بن بلي) يرتبط بأحد مسارات الفتح الأندلسي، وأن امتداد هذه السلالة لم يتوقف عند حدود الأندلس، بل انتقل لاحقًا عبر الرحلات البحرية الإسبانية إلى أميركا اللاتينية، ضمن حركة الاستكشاف التي ارتبطت بكريستوفر كولومبوس وبمرافقة ملاحين من أصول غرناطية.

في هذه الرواية، لا يظهر المكان كخلفية محايدة للأحداث، بل كبنية دلالية فاعلة تنتج المعنى وتعيد تشكيله. فالوادي السحيق في إسبانيا لا يعمل كفضاء جغرافي فحسب، بل يتحول إلى منطقة حدّية، أشبه ببرزخ نفسي معلّق بين الحياة والموت، بين الحضور والغياب، بين الوعي والذاكرة… هناك، تتعرّى الذات من طبقاتها الاجتماعية والوظيفية، وتواجه صورتها الأكثر تجردًا.

وفي المقابل، يقوم الانتقال بين جدة، بإيقاعها المتسارع وضغطها اليومي وأزماتها المهنية، وبين الأندلس بما تحمله من ذاكرة مجيدة وانكسارات تاريخية، على توليد تضاد مكاني يعيد تشكيل التجربة الروائية. لا يعود المكان مجرد جغرافيا، بل يتحول إلى حالة شعورية متقابلة: واقع ضاغط في جهة، وذاكرة متخيلة في جهة أخرى.

جدة تمثل الواقع المأزوم بكل ما فيه من سلطة، رقابة، واتّهام، بينما الأندلس تتجلى كفضاء متخيل لإعادة ترميم الهوية واستعادة المعنى. غير أن هذا الفضاء ليس ملاذًا بسيطًا أو يقينًا مطلقًا، بل هو أمان متخيل يُستعاد عبر الجذور لا عبر الحاضر المباشر.

هكذا تنقسم الذات بين مكانين متعارضين: مكان معاش يهددها، ومكان متخيل يحاول حمايتها. ومن هذا الانشطار تتولد درامية الرواية، حيث لا يكون البحث عن النجاة جسديًا فقط، بل وجوديًا في جوهره؛ بحثًا عن موضع تتصالح فيه الذاكرة مع الواقع، دون أن تضطر الذات إلى الدفاع المستمر عن حقها في الحلم.

في عملكِ السردي يلاحظ حضور تقنية الاسترجاع بوصفها أداة بنائية تعيد ترتيب الزمن داخل النص، بحيث يتداخل الحاضر مع الذاكرة والتجربة الماضية.

ما الذي دفعكِ إلى اختيار هذه التقنية تحديدًا؟ وهل كان توظيفها ضرورة فنية للاقتراب من العالم النفسي للشخصية وكشف طبقاتها العميقة؟

اعتمدتُ أسلوب تيار الوعي بوصفه آليةً للنفاذ إلى الطبقات العميقة من التجربة الداخلية. ولم يكن هذا الخيار مجرد حيلة شكلية، بل ضرورة فنية فرضتها لحظة التعليق بين الحياة والموت، حيث تتشظّى الحدود بين الواقع والذاكرة، وبين الحاضر والتاريخ.

في مشاهد الهذيان، لا يتجلى صوت واحد صافٍ، بل تتداخل أصوات متراكبة تتجاور فيها سليمة المعاصرة مع سليمة الأندلسية، حتى يغدو الصوتان نبرةً واحدة في جسدٍ واحد. هذا الامتزاج لا يكتفي بإلغاء المسافة الزمنية، بل يعيد تعريفها جذريًا، فتنكمش القرون لتصبح ومضة شعورية، ويتحوّل التاريخ من تسلسلٍ زمني إلى حالة نفسية معاشة.

وهكذا تتحقق ما يمكن تسميته (بوحدة التجربة الشعورية) حيث تتلاشى الفواصل بين ذاتين يبدوان متباينتين في الظاهر، لكنهما في العمق امتدادٌ واحد. إن تيار الوعي هنا لا يكتفي بنقل أفكار الشخصية، بل يكشف أن الهوية ليست طبقةً صلبة أو ثابتة، بل ترسّبات متراكمة من الذاكرة الحضارية، تعود إلى السطح دفعة واحدة حين يقترب الجسد من حدّه الأقصى.

د. ابتسام: إذن أنت استخدمت هذا الأسلوب لتحركي النص نفسياً.

نعم بالتأكيد جاك لاكان وفرويد وكارل يونغ كانوا حاضرين في النص فأنا حركت النص بثميات نفسية خفية معنية خلقت للنص عمق ومصداقية (التروما ـ الصدمة النفسية، الاغتراب، والثقة)

عقدة الانتظار: النص يشير صراحة إلى أن الانتظار أصبح جزءاً من هويتها، وهو نتاج لطفولة ممزقة جراء طلاق الوالدين هذا الانتظار هو آلية دفاعية نفسية للهروب من واقع غير آمن.

أزمة الثقة والأمان: اللحظة التنويرية في الرواية هي لحظة حزام الأمان في مدينة الملاهي… تكتشف البطلة أنها لا تخاف السقوط لذاته، بل لأنها لا تثق! السقوط في الوادي هو التجسيد المادي لفقدان الثقة الوجودية في الآخر وفي المصير.

الاحتراق الوظيفي الرواية تقدم تحليلاً دقيقاً لنفسية الطبيب الذي يتحول من منقذ إلى متهم، مما يولد موتاً شعورياً ومعنوياً يسبق الموت الجسدي.

تتجلى في النص عقدة الاضطهاد والاغتراب بوصفهما محركين خفيين للبنية النفسية، البطلة طبيبة ناجحة مهنيًا، غير أن وعيها الحاد يجعلها كائناً زائداً عن سياقها، فتغدو الغربة حالة داخلية لا علاقة لها بالمكان وحده، النجاح هنا لا يحمي من العزلة، بل قد يعمقها حين يتجاوز الفرد سقف الجماعة.

الصدمة الناتجة عن الاتهام الكيدي بالقتل الخطأ لا تُقدَّم كحادثة عابرة، بل كجرح بنيوي أحدث انشطاراً في الذات؛ ذاتٌ اجتماعية تدافع عن براءتها، وذاتٌ داخلية تتآكل تحت وطأة الشك… هذا الانقسام النفسي يضع الشخصية في حالة صراع دائم بين صورتها في وعيها وصورتها في وعي الآخرين.

غير أن هذا التمزق لا يجد إمكان الالتئام إلا عبر الرحلة، بوصفها بنية سردية كلاسيكية تقوم على الانتقال من النقص إلى الاكتمال، ومن التيه إلى الإدراك. الرحلة هنا ليست انتقالاً مكانياً فحسب، بل مسار تطهيري يمر عبر استعادة التاريخ والعودة إلى الجذور، وكما في الملاحم الكبرى، لا يتحقق الشفاء الجسدي إلا حين يُستعاد التوازن الروحي؛ أي حين تعيد الشخصية صياغة علاقتها بذاتها وبماضيها.

بهذا المعنى، تتحول الرحلة إلى طقس عبور، وتغدو استعادة الذاكرة الأندلسية جزءاً من علاج الانشطار الداخلي، فالشفاء لا يأتي من تبرئة قانونية فقط، بل من إعادة بناء المعنى، ومن مصالحة الذات مع تاريخها بوصفه امتداداً لا عبئاً.

د. ابتسام، أثناء قراءتي للنص لاحظت حضور شخصيات وأحداث تاريخية يتم استحضارها داخل السرد، وكأن النص يتحاور مع التاريخ ويستدعي رموزه ليعطي الحكاية عمقًا أكبر.

هذا ما يسميه النقاد بتقنية التناص؛ أي أن النص يتفاعل مع نصوص أو شخصيات أو أحداث سابقة. هل كان استخدامك لهذه التقنية مقصودًا منذ البداية؟ وكيف ترين دور هذا التداخل مع التاريخ في تعميق معنى الرواية وإثراء تجربتها السردية؟

نعم بالتأكيد يعد التناص العمود الفقري لهذا النص، هو بنية دلالية فاعلة تنتج المعنى من خلال الحوار مع التراث.

إن استحضار شخصيات مثل زرياب وعباس بن فرناس والمعتمد بن عباد لا يأتي بوصفه إحالة تاريخيةً جامدة، بل بوصفه تفاعلًا نصيًا يعيد مساءلة الذاكرة الحضارية من الداخل

هنا يتجلى ما يسميه ميخائيل باختين بالحوارية، أي انفتاح النص على أصواتٍ متعددة تتجاور وتتجادل داخل البنية الواحدة… فالشخصيات التاريخية لا تظهر لتؤكد الماضي، بل لتعيد خلخلته، ولتكشف أن التاريخ ليس سردًا منتهيًا، بل خطابًا قابلًا لإعادة التأويل

فمثلاً: سقوط البطلة من الجبل يتقاطع دلاليًا مع محاولة طيران عباس بن فرناس؛ كلا الحدثين يمثل اندفاعًا نحو التحرر، ورغبةً في تجاوز المحدود. غير أن الاصطدام في الحالتين ليس مجرد حادثٍ جسدي، بل لحظة انكشافٍ لواقعٍ يضيق بالحلم. فكما تحطم جسد ابن فرناس على أرض التجربة الأولى للطيران، يتشقق جسد البطلة على صخر واقعٍ لا يحتمل الاختلاف.

بهذا المعنى، يصبح التناص هنا آلية مقاومة، لا تكتفي بإحياء الرموز، بل تعيد شحنها بطاقةٍ نقدية، حيث يتحول الماضي إلى مرآة للحاضر، ويتحول السقوط إلى استعارة لجدلية الحلم والخذلان في الوعي الجمعي.

كيف يمكن قراءة رواية ( دفوف حجازية وفلامنكو أندلسي) بوصفها نصًا يتجاوز الحكاية التقليدية ليصبح خطابًا بصريًا–تاريخيًا يعيد تفكيك الذاكرة الفردية والجمعية معًا؟

أرى أن روايتي لا تُقرأ بوصفها حكاية تُروى، بل بوصفها بنية ما وراء سردية تراقب التاريخ أكثر مما تنقله.

الأدب هنا ليس وسيطًا محايدًا، بل عينٌ ثانية تنظر إلى الماضي وهي محمّلة بجرح الحاضر… وفي هذا التقاطع، يصبح الجسد الإنساني هو الأرشيف الحقيقي للذاكرة، بكل ما يحمله من انكسارات وتراكمات.

لم أتعامل مع التجربة الفردية بوصفها تجربة شخصية معزولة، بل بوصفها مرآة لجرح أوسع، جرح يتجاوز الذات ليطال الذاكرة الجمعية؛ لذلك يتداخل في النص الخاص والعام، فلا يعود الألم ملكًا لفرد، بل يتحول إلى علامة حضارية ممتدة… من هنا جاءت الحتمية الداخلية في الرواية: أن التغيير لا يبدأ من الخارج، بل من داخل البنية النفسية نفسها، حيث تُعاد صياغة العلاقة مع التاريخ والهوية.

الوادي الذي تسقط فيه البطلة ليس مكانًا جغرافيًا بالمعنى التقليدي، بل فضاء رمزي للأندلس ذاتها؛ مساحة معلّقة بين الحضور والغياب، بين ما كان وما تم محوه.

كذلك الجسد الجريح ليس مجرد جسد فرد، بل استعارة لحضارة كاملة حملت آثار الانكسار والتحول.

الليل الممتد في الرواية ليس زمنًا، بل صدى تاريخي لسقوط غرناطة، كما لو أن الزمن نفسه لم يخرج من لحظة الهزيمة.

وعلى المستوى التقني، كان وعيي منذ البداية بصريًا بقدر ما هو سردي.

 كسر الجدار الرابع ـ وهي أحد التقنيات السينمائية ـ  لم يكن خيارًا تجريبيًا بقدر ما كان ضرورة لفتح النص على المتلقي بوصفه شريكًا في الفهم، لا متلقّيًا سلبيًا.

أردت أن يتحول القارئ من حالة الانغماس العاطفي إلى حالة التأمل النقدي، وهو ما يقترب من روح بريخت في المسرح أو غودار في السينما، حيث تُستدعى المسافة لا لتقليل الإحساس، بل لتعميقه.

كما أن استخدام الجنين بوصفه راويًا لم يكن استعراضًا شكليًا، بل آلية تغريب مقصودة، تخلق مسافة بين الألم ومراقبته. فبدل أن نعيش الحدث فقط، نُجبر على التفكير فيه: بين الحياة التي لم تكتمل، والموت الذي يلوّح منذ البداية.

أما الانتقال بين جدة والأندلس، فلم يكن انتقالًا زمنيًا، بل مونتاجًا موازيًا بين زمنين نفسيين: واقع ضاغط وماضٍ مُعاد تخيّله. وفي هذا الفضاء، يصبح الوادي منطقة برزخية، أشبه بمشهد سينمائي معلّق بين الحياة والهذيان، حيث تتفكك الحدود وتتشكل الدلالة.

حتى لحظة السقوط، لم أتعامل معها كحادثة، بل كصورة قابلة للتكثيف البصري، يمكن أن تُقابل سينمائيًا بمحاولة طيران عباس بن فرناس، بحيث يصبح التوازي بين الجسد الساقط والحلم الطائر استعارة واحدة كبرى: الإنسان في مواجهة حدوده، بين الرغبة في التحليق وإمكانية الانكسار.

في النهاية، ما يهمني في هذا النص ليس الحكاية، بل الطريقة التي تُرى بها الحكاية؛ كيف يتحول التاريخ إلى تجربة شعورية، وكيف يتحول الألم الفردي إلى سؤال مفتوح عن الذاكرة، والمعنى، وإمكان إعادة كتابة الذات من جديد.

خاتمة: بقلم الناقد عادل النعمي

في ختام هذا الحوار، لا يبدو أننا أمام تجربة روائية تقليدية، بل أمام مشروع سردي يشتبك مع التاريخ بوصفه كائنًا حيًا يعاد استنطاقه من داخل الجسد الإنساني نفسه.

ما تقدمه الدكتورة ابتسام فران يتجاوز حدود الكتابة بوصفها حكاية، إلى الكتابة بوصفها تفكيرًا في الذاكرة، وإعادة تشكيل للعلاقة بين الفرد والجماعة، بين الجرح الشخصي والجرح الحضاري.

لقد نجحت الكاتبة في تحويل السرد إلى مساحة متعددة الطبقات، تتجاور فيها المقاربات النفسية مع البنية التاريخية، وتلتقي فيها الذات الفردية مع امتدادها الجمعي.

ليس النص مجرد رواية عن مطاردة أو نجاة، بل هو تفكيك دقيق لفكرة الهوية حين تُختبر في أقصى حدودها، وحين تُجبر على مواجهة ماضيها بوصفه حاضرًا مؤجلًا.

من منظور نقدي، يمكن القول إن ما تشتغل عليه ابتسام فران هو إعادة تعريف وظيفة الرواية نفسها؛ إذ لم تعد مجرد وسيلة لسرد الحدث، بل أصبحت أداة لقراءة العالم عبر انكساراته، وإعادة مساءلة التاريخ من زاوية المهزوم لا المنتصر، ومن زاوية الجسد لا الوثيقة.

إن القيمة الأبرز في هذا العمل تكمن في قدرته على الجمع بين الحس السينمائي والبنية النفسية العميقة، وبين التناص التاريخي والوعي الفلسفي بالهوية… وهو ما يجعل من هذا النص تجربة قابلة للامتداد، لا في حدود الرواية فقط، بل في إمكان تحوله إلى خطاب بصري وفكري أوسع.

وهكذا، يمكن القول إن (دفوف حجازية وفلامنكو أندلسي) ليست مجرد رواية، بل محاولة واعية لإعادة كتابة العلاقة بين الإنسان وتاريخه، بين الذاكرة وما تبقى منها حين تُروى من الداخل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com