مقالات

التربية قرارٌ يبدأ بالاختيار

أميمة عبدالعزيز زاهد

يظن الكثير من الناس أن التربية تبدأ لحظة ولادة الطفل أو بعد أن يفتح عينيه على الحياة ويبدأ في وعي ما يدور حوله، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير… فالتربية لا تبدأ بعد الميلاد، بل قبله، بل قد تبدأ قبل الزواج نفسه.

اختيار شريك الحياة هو اللبنة الأولى في بناء أسرة صالحة. فالزوج الصالح والزوجة الصالحة هما البيئة الأولى للتربية، لأن صلاحهما ينعكس على أبنائهما، ويجعل التربية رحلة طبيعية مليئة بالحب والرعاية. لذلك كان الإسلام حاسمًا في وضع المعايير الصحيحة لاختيار شريك العمر، فجعل الدين والخلق هما المعيار الأسمى، لأن التدين الصحيح المعتدل هو أساس نجاح أي حياة زوجية. وما أجمل أن تقوم العلاقة على الثقة والاحترام، فهما الركنان اللذان يقيمان بيتًا متينًا، يظلله الاستقرار وتملؤه الطمأنينة.

وعندما يولد الطفل في هذه الأجواء المستقرة، ينعكس ذلك الاستقرار على نفسيته وسلوكه، ويشبّ متوازنًا سليمًا. بل إن التربية بالقدوة هي أقوى وسيلة للتنشئة، فالأبوان الصالحان لا يكتفيان بالأوامر والنصائح، بل يُجسّدان ما يقولان بسلوكهما اليومي. لذلك نجد الطفل في سنواته الأولى، حين يبدأ بالكلام، يردد ما يسمع، ويُقلّد ما يرى. فإذا كان محاطًا بالطيب من القول وحسن من العمل، نشأ على ذلك، وصار ما تعلمه في طفولته أساسًا لشخصيته القادمة.

ولعلنا نرى في حياتنا اليومية شواهد لا تُحصى: طفل ينشأ في بيت يتعامل فيه الوالدان بالحب والاحترام، فيشبّ رقيق القلب، واثقًا من نفسه، محبًا للآخرين. وآخر يعيش في بيت لا يعرف إلا الصراخ والخصام، فينعكس ذلك على طباعه وسلوكه، فيصبح عصبيًا أو منطويًا. إنها رسائل صامتة يتلقاها الأبناء دون أن نشعر، لكنها ترسم ملامح شخصياتهم لسنوات طويلة قادمة.

أيها الأحبة… إن قرار الزواج ليس قرارًا عابرًا، بل هو قرار مصيري يصنع ملامح العمر كله. حُسن الاختيار لا يعني سعادتكم أنتم وحدكم، بل يمتد أثره إلى أبنائكم وأسركم ومجتمعكم كله. إن قرار اختيار شريك العمر قد يعني سعادة ممتدة، أو عذابات تطول بقدر ما يطول العمر.

فأحسنوا الاختيار، تَسعدوا وتُسعدوا، ولتكون بداية التربية لأولادكم من لحظة اختياركم لأمهاتهم وآبائهم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com