ثقافة وفن

أمهات من ملح.. قصة قصيرة

هيفاء نورالدين

في القرية الساحلية الصغيرة، كانت النساء يعرفن البحر أكثر مما يعرفن أسماء الشوارع. يقفن كل صباح على حافة الرمل، يراقبن الأفق كما لو أن أحداً وعدهن بأن الغائبين سيعودون منه يوماً.
كانت أمّ سالم واحدة منهن. مضت سبع سنوات منذ غاب ابنها في رحلة صيد ولم يعد. في البداية، كانت تسأل العائدين من البحر عنه. ثم صارت تسأل الأمواج نفسها. وبعد سنوات، اكتفت بالجلوس أمام النافذة المطلة على الشاطئ.
قالوا لها إنه مات.
هزّت رأسها فقط، كأن الموت خبر لا يخصها.
كل مساء كانت تضع صحناً إضافياً على المائدة. لا أحد يجلس إليه. لا أحد يلمسه. لكن الصحن ظل مكانه، عاماً بعد عام.
في القرية، لم تكن أم سالم الوحيدة. كانت هناك أمهات كثيرات ينتظرن أبناءً ابتلعهم البحر أو أخذتهم المدن البعيدة أو أخفتهم الحروب. وجوههن جفّت من كثرة الدموع حتى بدت كأنها منحوتة من الملح.
وفي أحد الأيام العاصفة، حمل البحر إلى الشاطئ قارباً قديماً مكسوراً. تجمّع الناس حوله، يبحثون عن علامة أو اسم أو ذكرى.
اقتربت أم سالم ببطء. لم تجد ابنها.
لكنها وجدت شيئاً آخر.
وجدت نفسها.
نظرت إلى البحر طويلاً، ثم استدارت للمرة الأولى منذ سبع سنوات وعادت إلى بيتها دون أن تلتفت خلفها.
في تلك الليلة، رفعت الصحن الزائد عن المائدة.
لم يكن ذلك نسياناً.
كان اعترافاً متأخراً بأن بعض الغائبين لا يعودون، وأن القلب، مهما أثقله الانتظار، لا يستطيع أن يعيش معلقاً بين موجتين إلى الأبد.
وفي الصباح التالي، خرجت أمهات القرية إلى الشاطئ كعادتهن. لكن مكان أم سالم كان فارغاً.
أما البحر، فبقي هناك، واسعاً وبارداً، يحتفظ بأسراره القديمة ويترك للأمهات ما تبقى: حفنة من الأمل، وكثيراً من الملح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com