مقالات

وقال صوابا

بقلم: ريما آلكلزلي

أما السفينة، وأما الغلام، وأما الجدار…

في سورة الكهف، تتجلّى في قصة الخضر وموسى عليهما السلام معانٍ عميقة تكشف عن حكمة التصرفات الإلهية، وارتباطها بالعلم الإلهي المطلق. 

في هذه القصة، نرى تفاوتًا بديعًا في نسب الأفعال إلى أصحابها، وذلك وفقًا لحكمتها وظاهرها وباطنها. هذه التفاصيل لم تأتِ عبثًا، بل لتُعلمنا أدبًا عظيمًا وفهمًا أعمق لكيفية التعاطي مع القضاء والقدر. لنقف عند الآيات الثلاث لنفهم الرابط بينها: 

﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾

عندما خرَق الخضر السفينة قال: “فَأَرَدتُّ”، أي نسب الفعل لنفسه. 

– رغم أن خرق السفينة بحقيقته كان لمصلحة المساكين أصحاب السفينة، إلا أن الفعل في ظاهره شر أو نقص، لذا نُسب إلى الخضر بشخصه تأدبًا مع الله عز وجل. 

الرسالة تبين أن كل ما يبدو شرًا ظاهريًا أو عيبًا في الحياة يمكن أن يحمل في داخله مصلحة قد لا نراها.

أما عندما قتل الخضر الغلام قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوَىٰ﴾ وهنا “فَأَرَدْنَا”، بصيغة الجمع، مشيرًا إلى شمول إرادة الله في هذا العمل. 

يجمع هذا الفعل بين شر الظاهر (قتل الغلام) وخير الباطن (رحمة الأبوين بتبديله).

جاء نسب الفعل هنا بصورة مزدوجة تعبيرًا عن أن الحكمة خلفه كانت إلهية خالصة، وأن العبد ما هو إلا أداة لتنفيذ إرادة الله.

وأخيراً، قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ حين أقام الخضر الجدار لحماية كنز اليتيمين، قال: “فَأَرَادَ رَبُّكَ”، فنسب الإرادة لله كاملة دون أي تدخل بشري، لأن هذا الفعل حمل الخير المحض والرحمة البحتة، دون أن يظهر فيه جانب من الشر، فجاءت نسبته مباشرةً إلى الله سبحانه وتعالى.

ما الذي يربط بين الأفعال الثلاثة؟

الأول: ظهور الشر أو النقص في فعلٍ ما، يُنسب للعبد تأدبًا مع الله، لأن الشر لا يُنسب إليه. 

الثاني: كان الفعل مزيجًا من الخير والشر، يُنسب بطريق يشير إلى تكامل إرادة الله وحكمة تصرف العبد. 

أما في الثالث: عندما يكون الفعل خيرًا خالصًا ورحمة محضة، فإن النسبة تكون مباشرة لله عز وجل، لأن الخير المطلق منه وحده.

هذه ليست قصة فقط عن سفينة وغلام وجدار، بل هي درس يستعرض كيف ننظر إلى الحياة بأحداثها، ونثق أن وراء كل فعل حكمة إلهية تستعصي على الفهم البشري المحدود.

القرآن الكريم ليس مجرد كتاب يروي قصصًا أو يعرض أحداثًا، بل هو منهج متكامل للتفكر والتدبر، يُرسي القواعد الدقيقة في كل جوانب الحياة، حتى في أدق تفاصيل نسبة الأفعال ومتعلقاتها. 

في قصة الخضر، نرى أن طريقة تعبيره عن إرادة الأفعال لم تكن عشوائية، بل جاءت متوافقة مع القاعدة الإلهية التي ترشدنا إلى أدب القول: 

– الشر أو النقص الظاهري يُنسب إلى العبد، تأدبًا مع الله الذي لا يصدر عنه شر. 

– الأفعال التي تحمل الخير والشر معًا تُنسب بإرادة مزدوجة، دلالة على أن الخالق هو المهيمن على الحكمة الباطنة. 

– الخير المحض يُنسب مباشرة إلى الله، لأنه تعالى مصدر كل كمال ورحمة. 

هذا يعكس منهج القرآن في توجيه الإنسان إلى الأدب مع الله، وإلى الالتزام بمنطق الحقيقة المتوازنة بين حرية العبد في أفعاله، وشمول الإرادة الإلهية وحكمتها المطلقة في الكون. 

فالقرآن لا يكتفي بنقل القصة أو الحدث، بل يغرس في القارئ قواعد في العقيدة، والفهم العميق لإرادة الله في الحياة، وكيفية التعبير عن الأفعال بما يتسق مع الحكمة الإلهية وكرامة الإنسان. 

وهكذا يبقى القرآن، كتابًا خالدًا، لا ريب فيه، بعلمنا الحكمة في القول والفعل، ويهدي القلب والروح على مر الزمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com