مقالات

لولا رداء الستر

43 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

أميمة عبدالعزيز زاهد
من أعظم النعم التي يعيش الإنسان في ظلالها دون أن يشعر بها نعمة الستر. فكم من خطأ أخفاه الله، وكم من زلة سترها، وكم من ضعف لم يطّلع عليه أحد من الخلق. ولو كُشف للناس ما نخفيه من عيوب وأخطاء وتقصير، لتغيرت نظرة الكثير منا إلى الكثير، ولأصبحت الحياة أكثر قسوة وأقل رحمة.

فالستر ليس مجرد حجاب يخفي العيوب، بل رحمة إلهية يمنح الله بها عباده فرصة بعد أخرى للمراجعة والتوبة والإصلاح. ولذلك فإن أخطر ما قد يقع فيه المرء أن يظن أن استمرار الستر دليل رضا، فيتمادى في الخطأ ويأمن العاقبة، ناسياً أن الله يمهل ولا يهمل.

وليس الستر رخصة للاستمرار في المعصية، بل فرصة للعودة إلى الطريق الصحيح. فكل ذنب يستوجب توبة، وكل تقصير يحتاج إلى مراجعة، وكل خطأ يحتاج إلى وقفة صادقة مع النفس. أما الإصرار على الذنب أو التهاون به، فقد يحرم صاحبه من بركات هذه النعمة العظيمة.

ولعل من أخطر ما يبدد نعمة الستر أن يعتاد الإنسان المجاهرة بأخطائه، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين». فليس كل من ستره الله ناجياً، وإنما النجاة في أن يستحي العبد من ربه، ويجعل من الستر باباً للتوبة لا جسراً للتمادي.

ومن صور الغفلة أن يظن الإنسان أن تأخر العقوبة يعني نجاته، أو أن استمرار الستر دليل على سلامة الطريق الذي يسير فيه. والحقيقة أن رحمة الله تسبق عقابه، فيمهل عبده ليراجع نفسه ويعود إليه، ويمنحه فرصاً متكررة للتوبة، لكن العاقل هو من ينتفع بهذه الفرص قبل أن تضيع منه، ويجعل من ستر الله عليه دافعاً للإصلاح لا مبرراً للاستمرار في الخطأ.

ومن المؤلم أن بعض الناس لا يكتفون بالخطأ، بل يضيفون إليه خطأ أكبر حين يكشفون ستر الله عن أنفسهم، أو يسعون إلى كشف ستر غيرهم، وكأنهم نسوا أن الجميع محتاج إلى رحمة الله وعفوه. فكلنا نحمل عيوباً ونقائص، وكلنا نعيش تحت مظلة سترٍ لو رُفع عنا طرف منها لشعرنا بالخجل مما نعلمه عن أنفسنا قبل أن يعلمه الناس.
بل إن كثيراً من العلاقات الإنسانية تقوم – بعد فضل الله – على هذا الستر الجميل؛ فليس بيننا إنسان كامل، ولا أسرة كاملة، ولا حياة تخلو من العثرات. وإنما تستمر الحياة لأن الله سبحانه يتفضل على عباده بستره، ويمنحهم فرصاً متجددة ليكون حاضرهم أفضل من ماضيهم.

فكلنا بحاجة إلى ستر الله ورحمته، وكلنا معرضون للخطأ والتقصير، فلا نغتر بستره علينا، ولا نشمت بمن انكشف أمره. فما دام الله قد ألبسنا رداء الستر، فلنحمده عليه، ولنستثمر هذه النعمة في إصلاح أنفسنا قبل فوات الأوان. فالسعيد من جعل من ستر الله عليه باباً للتوبة والمراجعة، لا جسراً للغفلة والتمادي، ومن أدرك أن الستر نعمة تستوجب الشكر، لا ضمانة تُغري بالاستمرار في الخطأ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com