مقالات

حين انتصر الشعر على الزمن… جبران قحل يعيد للقصيدة وهجها في جازان

46 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

تغطية: حمد دقدقي
ليس كل مساءٍ أدبي يُكتب عنه، فثمة أمسيات تُروى لأنها تتحول إلى جزءٍ من ذاكرة المكان، وتصبح القصائد فيها أكثر من نصوصٍ تُلقى، بل شهاداتٍ على زمنٍ كامل، وسيرةً لوطنٍ عبره الشعر كما تعبر الأنهار سهولها، تاركةً أثرها في الوجدان.

هكذا بدا المشهد في جازان، حين فتح نادي ملتقى المبدعين الثقافي، بالشراكة مع جمعية أدبي جازان، أبوابه لأمسية «وهج الشعر من مشكاة شاعر»، التي أدارتها الإعلامية والأديبة نعمة حسن حسين خيراني، واستضافت الشاعر جبران محمد قحل؛ أحد الأصوات التي لم تكتفِ بكتابة القصيدة، بل جعلت منها ذاكرةً وطنية تحفظ مناسبات الوطن، وترافق أفراحه، وتسجل ملامح تحوله الثقافي.

لم يكن تقديم الضيف استعراضًا لسيرة ذاتية، بل قراءةً في تجربةٍ امتدت لعقود. فمن أوبريت الأطفال «يا بابا عبدالله» الذي رافق الزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – إلى جازان، مرورًا بأوبريت «جازان الفل… مشتى الكل»، وأوبريت جامعة جازان «مجد الثمانين»، وصولًا إلى دواوينه الشعرية ومسرحياته وأوبريتاته الوطنية، بدت رحلة الشاعر وكأنها سجلٌّ موازٍ لذاكرة المنطقة الثقافية.
وحين بدأ جبران قحل حديثه، لم يبدأ من الشعر، بل من الوطن.

تحدث عن المملكة العربية السعودية باعتبارها مشروعًا إنسانيًا قبل أن تكون مشروعًا تنمويًا، وعن الدولة التي جعلت العدالة والتمكين والخدمات حقًا للمواطن منذ أن أرسى الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – قواعدها الراسخة. واستوقف الحضور وهو يتأمل شعار المملكة، معتبرًا أن السيف والنخلة ليسا مجرد رمزٍ رسمي، بل فلسفة وطنٍ جمع بين الحزم والرخاء، وبين القوة والعطاء.
ومن الوطن عاد إلى القصيدة، لكنه لم يتحدث عنها بوصفها إلهامًا عابرًا، بل كرحلةٍ طويلة من الشك والأسئلة والمراجعة.

قال إن الشاعر الحقيقي لا يولد مكتملًا، وإن أخطر ما قد يواجه المبدع أن يصدق المديح، لأن القصيدة لا تنمو إلا بالنقد، ولا تنضج إلا بالتجربة، مؤكدًا أن التطور هو الشرط الأول لبقاء الشعر حيًا.

ثم باغت الحضور بقصيدةٍ لم يسبق أن قرأها في أي أمسية، حملت عنوان «أخاف من الشعر»، وكأنها اعترافٌ شعري نادر، يقف فيه الشاعر أمام مرآة قصيدته، لا ليتباهى بها، بل ليصارحها بخوفه منها؛ لأنها وحدها القادرة على أن تكشف الإنسان كما هو. توالت بعد ذلك القصائد، فكان المكان ينتقل مع كل نص بين ضفاف الذاكرة وأودية العاطفة.ثم نصوصًا أخرى، فيما ظل صوته محتفظًا بذلك الهدوء الذي يمنح المعنى فرصةً ليتقدم على الإلقاء، ويجعل القصيدة تُسمع بالقلب قبل الأذن.

وحين انتقل الحوار إلى المشهد الثقافي في جازان، أطلق عبارته التي اختصرت تاريخًا كاملًا من الخصوبة الأدبية:
أي حجرٍ ترفعه في جازان تجد تحته شاعرًا.». لم تكن جملةً عابرة، بل شهادة شاعر يعرف أرضه، ويؤمن بأن هذه المنطقة التي أنجبت الشعراء منذ قرون، ما زالت تنجبهم كل يوم، لأن الشعر فيها جزءٌ من الهواء، ومن اللهجة، ومن تفاصيل الحياة اليومية. غير أن أكثر لحظات الأمسية تأثيرًا لم تكن قصيدة، وإنما صورة إنسانية ستبقى عالقة في ذاكرة كل من حضر. فبينما كان الشاعر يتحدث، صعد ابنه إلى المنصة، وأعاد بهدوء ترتيب عقال والده. ابتسم جبران، وقال للحضور بعفويةٍ ملؤها الفخر والمحبة: < هذا مساعدي… والبارُّ بي.»
ساد القاعة صمتٌ قصير، ثم انفجر التصفيق طويلًا.كانت لحظةً تجاوزت حدود الشعر، لتقول إن البر قصيدةٌ أخرى، وإن أجمل ما يكتبه الإنسان أحيانًا ليس بيتًا من الشعر، بل موقفًا من الوفاء.

واستعاد الشاعر ذكريات مشاركاته الوطنية، فتحدث عن تجربته في كتابة الأوبريتات التي صاحبت زيارة الملك عبدالله، ومهرجانات جازان، واليوم الوطني، واحتفالات جامعة جازان، مؤكدًا أن القصيدة الوطنية لا تُكتب بطلب مناسبة، وإنما تُولد حين يمتلئ القلب بالوطن. ثم أطل على جمهوره من نافذة وجدانية أخرى، فقرأ نصوصًا من مشروعه الشعري الجديد، الذي يفيض بالعشق والتأمل، ومنها:
«الشعر يخطب نشوتي…»
«ميلي على كأس الهوى…»
«لي في غرامي…»
«أشفق على الكأس…»
«يا ساكنًا في الناي…»
قصائد بدت فيها اللغة أكثر صفاءً، والصورة أكثر شفافية، فيما ظل الإيقاع يحمل ذلك النفس الجيزاني الذي يمزج بساطة الحياة بعمق التجربة.
وفي المداخلات، طُرح سؤال حول الرمزية والكلاسيكية، فأجاب قحل بهدوء العارف بأن الشعر لا يعرف القوالب الجامدة، وأن لكل شاعر أدواته التي يعبّر بها عن ذاته، وأن النجاح لا يتحقق إلا حين يتوازن الفكر مع الصورة، والإحساس مع اللغة، قبل أن يختتم رؤيته بجملةٍ تصلح عنوانًا لمسيرته كلها:
«الشعر… عملية صراع.»
صراعٌ مع اللغة، ومع الذات، ومع الزمن، ومع الرغبة الدائمة في كتابة قصيدةٍ أجمل من سابقتها.
لقد نجح نادي ملتقى المبدعين الثقافي، بالتعاون مع جمعية أدبي جازان، في أن يصنع أمسية لم تكن احتفاءً بشاعرٍ فحسب، بل احتفاءً بفكرة الشعر ذاتها، وبالإيمان بأن الثقافة ليست ترفًا، وإنما إحدى الركائز التي تحفظ هوية المجتمعات، وتصنع ذاكرتها.
كما برهنت الأستاذة نعمة حسن حسين خيراني أن إدارة الأمسية الأدبية فنٌّ قائم بذاته، حين قادت الحوار بهدوءٍ واقتدار، وتركت للشاعر مساحةً يروي فيها حكايته دون أن تقاطع إيقاع التجربة.
أما الجمهور، فقد كان البطل الصامت للأمسية؛ أصغى بمحبة، وحاور بوعي، وصفق للكلمة الصادقة، وكأنه يؤكد أن جازان ما تزال مدينةً تعرف كيف تُنصت للشعر، وكيف تمنحه المكانة التي يستحقها.
وعندما انطفأت أضواء القاعة، لم تنطفئ القصائد.
خرج الجميع وهم يدركون أن الشعر الحقيقي لا يغادر المنصة بانتهاء الأمسية، بل يرافق أصحابه إلى الطرقات والبيوت والذاكرة، وأن الكلمة الصادقة، مهما تبدلت الأزمنة، ستظل قادرةً على أن تهزم النسيان، وتعيد للروح ما فقدته من دهشة.
وهكذا أثبتت جازان، مرةً أخرى، أنها لا تستضيف الشعراء فحسب، بل تصنع معهم تاريخًا ثقافيًا يتجدد، وتفتح للقصيدة نافذةً تطل منها على المستقبل، وهي أكثر إيمانًا بأن الجمال سيبقى دائمًا آخر ما ينتصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com