مدني علاقي… عندما يرنُّ التاريخ قبل الهاتف

كتب: حمد دقدقي
ثمة أسماءٌ لا تحتاج إلى تقديم، لأنها كلما حضرت استحضرت معها زمنًا كاملًا، وثمة رجالٌ لا يُقاس حضورهم بعدد المناصب التي تقلدوها، بل بالأثر الذي تركوه في ذاكرة الوطن، وبالقرارات التي صنعت الفارق بين الأمس واليوم.
وصلتني مكالمة عبر “واتساب” من رقمٍ لا أعرفه. توقفت لحظةً أمام الاسم، ثم أعدت النظر مرةً أخرى، وكأن العين تستوثق مما رأت. لم يكن اسمًا عاديًا يمر بين الأسماء العابرة، بل كان اسمًا يحمل في حروفه تاريخًا من المسؤولية، وهيبةً صنعتها سنواتٌ طويلة في خدمة الوطن.
كان الاسم: معالي الأستاذ الدكتور مدني عبدالقادر علاقي.
وفي تلك اللحظة، لم يكن الهاتف هو الذي يتحدث، بل الذاكرة. ذاكرة وطنٍ عرف هذا الرجل واحدًا من رجالاته الذين جلسوا حيث تُصنع القرارات الكبرى، ويُرسم مستقبل الأمم. ثمانية أعوامٍ قضاها على مائدة الملك، في قلب الدولة، قريبًا من الرؤية، وشريكًا في صناعة القرار، يوم كانت المملكة ترسم ملامح نهضتها الحديثة، وتبني اقتصادها، وتفتح نوافذها على العالم بثقة القادة وحكمة الرجال.
هناك، حيث لا تُقاس الكلمات بما تُقال، بل بما تتحول إليه من إنجازات. وهناك، حيث كانت الإرادة السياسية تتحول إلى مشروعات، والأحلام إلى مؤسسات، والرؤية إلى وطنٍ يخطو بثبات نحو المستقبل، حتى غدت المملكة لاعبًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي، وعضوًا فاعلًا في مجموعة العشرين، وشريكًا رئيسًا في صناعة القرار الدولي.
إنها الدولة التي انطلقت من أرضٍ وصفها القرآن الكريم بأنها ﴿بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم﴾، فإذا بها تُدهش العالم بما أنجزته في زمنٍ قياسي، وتستقبل ملايين البشر من ضيوف الرحمن، وتقود المبادرات الإنسانية والاقتصادية، وتقدم نموذجًا فريدًا في الإدارة والتنمية وصناعة المستقبل.
ولأن الرجال الكبار يشبهون الأوطان، فإن حضورهم لا يرتبط بمنصب، ولا يغيب بانتهاء مسؤولية، بل يبقى ممتدًا في وجدان الناس، وفي ذاكرة المؤسسات، وفي احترام الأجيال التي تعرف أن الأمم لا تبنيها الأبراج وحدها، بل تبنيها العقول التي وضعت حجرها الأول، والضمائر التي حملت الأمانة بإخلاص.ح
كان اتصالًا عابرًا في زمنه، لكنه عميقٌ في معناه؛ لأن بعض المكالمات لا تبدأ بصوت المتصل، بل تبدأ بصوت التاريخ وهو يفتح نافذةً على سنواتٍ من الوفاء، ويذكّرنا بأن خلف كل منجزٍ وطني رجالًا آمنوا برسالتهم، ومضوا في طريقهم بصمت الواثقين.
فمرحبًا بوالدنا، معالي الأستاذ الدكتور مدني عبدالقادر علاقي…
مرحبًا برجلٍ إذا ذُكر حضر معه الوقار، وإذا تحدّث أنصتت التجربة، وإذا حضر شعر المكان أن جزءًا من ذاكرته قد عاد إليه.
ولأن الكلمات، مهما سمت، تبقى أقل من مقامات الرجال، فلا يسع القلب إلا أن يقول
أهلًا وسهلًا… بعدد الغيم إذا أمطر، وبعدد السنابل إذا اخضرّت، وبعدد الدعوات التي ترفعها الأوطان لرجالٍ صدقوا عهدهم مع الله، ثم مع مليكهم، ثم مع وطنهم



