مقالات

حين يكتمل المعنى في عين القارئ

14 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بقلم: خلف بن سرحان القرشي

من وحي مقالة الأستاذ هاني الحجي عن الكتاب الجماعي «أقلام تنبض شغفًا»

هناك لحظة نادرة يعيشها كل صاحب مشروع.

لا تأتي يوم يكتمل العمل، ولا حين يغادر المطبعة، ولا حتى في ليلة التدشين.

بل تأتي متأخرة قليلًا…

حين يقرأه شخص لم يعش تفاصيل الرحلة، ثم يخبرك بما رآه فيه. عندها تدرك أن العمل الذي ظننته قد اكتمل، ما زال يكتب نفسه في عيون الآخرين.

هذا تمامًا ما شعرت به وأنا أقرأ مقالة الصديق الأديب الأستاذ هاني الحجي عن كتاب «أقلام تنبض شغفًا».

لم يتوقف عند عدد المشاركين، ولم يكتف بالإشارة إلى تنوع الشعر والقصة والرواية والمقالة، ولا عند الجهد التنظيمي الذي سبق صدور الكتاب. لقد تجاوز ذلك كله إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الفكرة التي يحملها هذا المشروع للمشهد الأدبي؟

وكانت إجابته لافتة.

ففي الوقت الذي كنا نرى فيه أننا نجمع نصوصًا تنتمي إلى أجناس أدبية متعددة، رأى هو أننا نجمع أجيالًا.

استوقفتني هذه الفكرة طويلًا.

ربما لأننا، ونحن منشغلون بتفاصيل التنفيذ، لم ننتبه إلى أن أجمل ما يمكن أن يقدمه الكتاب ليس اجتماع النصوص، بل اجتماع أصحابها.

وهنا برز مصطلح المجايلة الأدبية الذي جعله الأستاذ هاني محور قراءته.

وهو، في تقديري، أكثر من مصطلح نقدي.

إنه رؤية ثقافية.

فالمجايلة ليست أن يقف كاتب مخضرم إلى جوار آخر ينشر للمرة الأولى في صورة تذكارية، ولا أن يجتمعا في فهرس واحد.

المجايلة أن يتجاور صوتان بينهما عشرات السنين من التجربة، فيتبادلان ما لا يُكتب في الكتب.

أن يمنح صاحب التجربة الطويلة شيئًا من الطمأنينة، وأن يمنح القادم الجديد شيئًا من الدهشة.

أن يتعلم أحدهما من خبرة السنين، ويتعلم الآخر من شجاعة البداية.

فالخبرة وحدها لا تكفي…

والبدايات وحدها لا تكفي…

أما حين يلتقي الاثنان، فهناك يبدأ الأدب في تجديد نفسه.

ولهذا لا أؤمن أن الثقافة تُبنى بتراكم الأسماء، بل بتواصلها.

فالأجيال التي لا تتحاور تتباعد.

والخبرات التي لا تنتقل تذبل.

والمواهب التي لا تجد من يفتح لها الباب قد تظل واقفة خارجه.

ولعل هذا ما التقطه الأستاذ هاني بحدسه الأدبي.

لقد لم يرَ «أقلام تنبض شغفًا» كتابًا جماعيًا، بقدر ما رآه مساحة لقاء.

ولقاء الإنسان بالإنسان، في نهاية الأمر، هو جوهر كل فعل ثقافي.

كما استوقفتني صورته الجميلة حين شبّه الانتقال بين النصوص بالتجول في حديقة غناء، لكل زهرة فيها لونها وعطرها.

وهي صورة لم تصف تنوع النصوص بقدر ما وصفت احترام المشروع لاختلافها.

فلم يكن هدفنا أن تتشابه الأصوات، بل أن يحتفظ كل كاتب بنبرته الخاصة، وأن يجد القارئ في هذا التنوع ثراءً لا تشتتًا.

وأعجبتني كذلك مقارنته بين الباحث عن المواهب الأدبية، ومدرب كرة القدم الذي يقف في ملاعب الأحياء بحثًا عن لاعب واعد.

فالمواهب لا ينقصها الذكاء غالبًا، وإنما ينقصها من يلتفت إليها.

ومن يصدق بها قبل أن يصدق الناس.

ومن يمنحها فرصتها الأولى.

ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي خرجت به من تلك المقالة.

فالنجاح الحقيقي ليس أن يصدر كتاب جميل، وإنما أن يتحول إلى فكرة يلتف الناس حولها.

وهذا ما شعرنا به، بفضل الله، منذ الأيام الأولى لصدور «أقلام تنبض شغفًا».

لقد رأينا فرحة المشاركين وهم يتسلمون الكتاب، ثم رأينا تلك الفرحة تكبر في عيون أسرهم وأصدقائهم، قبل أن تمتد إلى الوسط الثقافي الذي احتفى بالتجربة، وقرأها بوصفها مشروعًا يستحق أن يُتابَع، لا إصدارًا عابرًا ينتهي بانتهاء حفل التدشين.

ذلك الاحتفاء لم يمنحنا شعورًا بالاكتمال…

بل منحنا شعورًا بالمسؤولية.

فمنذ اللحظة الأولى لم يكن حلمنا إصدار كتاب جماعي فحسب، بل أن تتحول المبادرة إلى مشروع ثقافي متجدد، ينمو عامًا بعد عام، ويتطور كميًا ونوعيًا، ويصبح منصة لاكتشاف المواهب، ورعاية التجارب، وترسيخ ثقافة المجايلة الأدبية، وبناء الجسور بين الأجيال.

نريد مشروعًا يُقاس بما يتركه من أثر، لا بما يضيفه من صفحات.

وبما يصنعه من فرص، لا بما يجمعه من أسماء.

وبما يفتح من أبواب أمام المبدعين، لا بما يعلقه من شعارات.

لهذا لم أقرأ مقالة الأستاذ هاني الحجي على أنها إشادة بكتاب.

لقد قرأتها بوصفها رسالة.

رسالة تقول إن الطريق الذي اخترناه يستحق أن يُكمل.

وأن الحلم الذي بدأ بكتاب…

يمكن أن يصبح مشروعًا.

وأن المشاريع الصادقة، مثل الكتب الجميلة، لا تنتهي حين تُغلق أغلفتها…

بل تبدأ هناك..

 

مبادرة الشريك الأدبي.. جيل جديد يصنع المشهد الثقافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com