صباح فارسي: أعتمدُ حيل السرد .. وكم بكيتُ وأبكيت بكتاباتي

الاتجاه – بخيت طالع :
الكاتبة الأديبة والروائية “صباح حمزة فارسي” تكتب بأناقة، وتتدفق بحرارة، وتتعب كثيرًا حتى تقدم للناس كتابًا، دقيقة في اختيار موضوعاتها بل وحتي كل جملة وكلمة، للوهلة الأولي تظهر في شخصيتها عدة متناقضات، لكن الواقع أن في داخلها يلتمع ذلك الإنسان وتلك الإنسانية، التي بدت جليّة واضحة في كتاباتها وكتبها، فوق أنها خليط من مجموعة مواهب، أثمرت حالة مبدعة فريدة، فهي تكتب السرد والمقالة، وتقول الشعر، وتترجم، وتدير الأمسيات باحترافية، ومن اللفتات الجميلة في تكوينها المعرفي، أنها تتكئ على تخصص جامعي هو الأدب الإنجليزي.
دعونا في (صحيفة الاتجاه) نبحر معها، في هذا اللقاء، ونقلب شيئًا من صفحاتها، وشخصيتها، وإبداعاتها …..
بداية نسألك كيف بدأ شغف الكتابة عندك في محطته الأولى، وكيف تنامى هذا الشغف حتى أصدرت عملك الأدبي الأول؟
شغف الكتابة بدأ تحديدا عبر أدب الرسائل، حيث بدأت في المرحلة المتوسطة، عندما كان الصديقات يحكين لي قصص حب بريئة ومغامرات صغيرة ثم تبكي تلك الصديقة، تعقب ذلك البكاء وحالة الشجن بطلب مني للكتابة عنها، وانا أصبح صوتها، ولذلك تقمصت شخصيات عدة لأكتب رسائل مكتنزة بالحب والعتب والخوف والاستجداء والتوسل بالحب، وتوقع بأسماء صديقاتي في المدرسة، بل ولقد كنت أرد بدل صديقتي على رسائل زوجها المستقبلي، فكنت أقرأ الرسالة وأكتب ردًا يليق- كوسيط غرام- يستفيض بالمشاعر والعاطفة.
تلك كانت شرارة الكتابة، ولا زلت حتى الآن أضمن الروايات رسائل قد يتلقاها البطل عبر “إيميل” أو غيره، الفرق أنها في الماضي كانت تكتب وتطوى وترسل عبر أوراق ملونة، معطرة مختومة برسم بسيط لقلب وسهمين وحرفين، أما الآن فاجعلها عبر وسائل التواصل الاجتماعية.
فالرسائل هي قصائد سردية، تخبر عن حال البطل في الرواية، وتبوح بما خفي عن القارئ، لذلك اعتمدها كحيلة من حيل السرد، تؤدي غرضًا قويًا وهو ربط القارئ بتلك الرسائل، فطبيعة البشر حين يقرأ الرسالة يشعر بخصوصيتها وسريتها، وكأنه وحده قد اطلع على سر يخبره به صاحب الرسالة.
في الجامعة درست الأدب الإنجليزي، وكتبت قصصًا قصيرة باللغة الإنجليزية، وتعلمت الأدوات لكتابتها بعد قراءة الكثير من القصص، ثم تعرفت على المدرسة الرومانسية الشعرية في شعراء أوروبا، بل وكنت أحفظ تلك القصائد، وأحببت المجاز والموسيقى فيها والصور الشعرية، وتعمقت في دراسة النقد وتحليل الشخصيات في الروايات والمسرحيات التي كنا ندرسها بالتفصيل وتنقلنا من الأدب الإنجليزي القديم حتى الأدب المعاصر في خلال سنوات الدراسة الجامعية، تقلل حب الأدب في داخلي، وكنت في ذات الوقت اقرأ بالعربية كل ما تصل إليه يدي وكان معظمها كتب قديمة قيمة، من مكتبة والدي العتيقة، كنت أدون يومياتي باللغة الإنجليزية وأكتب خواطري بالعربية، بل وسميت كل دفتر باسم
أخذني الروتين حتى عملت في سعودي جازيت في 2004 وحتى 2006، كتبت عن الناس وحاورت الكثيرين، ونشرت كلها باللغة الإنجليزية، وفي 2014 م نشر أول عمل لي (شغف قلبي).

أصدرت رواية “عازف القنبوس” و “همهمة المحار”، ولقد لقيتا صدى لدى المثقفين والقراء، ما قصتك مع هاتين الروايتين، وكيف مضيت فيهما حتى صدرتا. وما ردود الفعل التي رصدتيها حولهما؟
كتابة رواية “عازف القنبوس: كانت حلما بالنسبة، أردت أن يعرف العالم بتلك الحكاية عبر صرخة “صبرة” في الرواية وصرخة كل فتاة قاصر تزوجت في عمر الزهور، ولقد وصلت هذه الرواية بصدقها لخارج الحدود المحلية، فكتب عنها نقاد من المغرب، العراق، ليبيا، سوريا، ومصر، كما كتب عنها من نقاد في السعودية، ودارت عنها قراءات ونقاشات، ولقد سعدت بما وصلت له، ما أسعدني أن هناك مقاطع في الروايتين بكيت وأنا أكتبها، وكذلك بكى بعض من قرأها وأطلعني على تأثره بما حصل للبطلة والبطل، كتبت تلك الرواية في ثلاث أعوام منها عاما قضيته في الولايات المتحدة الأمريكية، فكان الحديث عن الغربة في الرواية صادقا، فوصل للقارئ دون رتوش.
أما عن رواية “همهمة المحار” فالمخطط للرواية يتشابه مع “عازف القنبوس” ويلتقيان في أنهما كتبتا على هيئة شذرات تصب كلها في الرواية، في همهمة المحار صرت أكثر جراءة فطرحت قضية الفساد المتفشي في جزيرة الدانة، وقضيت مع الشخصيات أربعة أعوام، فخرجت الرواية بأبطال واقعيين وبنهايات صادمة قد تزعج القارئ لأنني قد صورت العالم من زاوية الواقع المرير وليس النهايات السعيدة لمسلسل عربي قديم، فالرواية تجسيد لواقع متخيل أولا وأخيرا. همهمة المحار شخوصها من الواقع فالأبطال واقعين تحت تأثير تغير العالم السريع من حولنا وهي تمتد عبر ثلاث أجيال وترصد تغير الإنسان بتغير ما يواجه.
وفي الروايتين هناك لمحة للتراث، في عازف القنبوس تظهر القرى في جنوب الجزيرة العربية والتقاليد الشعبية، وبعض العادات لتلك البقعة .. وفي همهمة المحار هناك وصف للتراث البحري ولمهنة الغوص لجلب اللؤلؤ، تلك المهنة التي اندثرت تماما، فربط الرواية بالتراث هو ربط للحكاية بالإنسان والأرض.

حدثينا عن اصداراتك الأخرى وهل لنا أن نتعرف أيضًا على الطقس الذي أحاط بكل عمل من أعمالك المطبوعة؟
لدي اصدار “حكاوي ستي رحمة” باللهجة الحجازية، وهو مجموعة حكايات دونتها بعد الاستماع لتسجيلات كانت على أشرطة قديمة لجدتي، وهي من قامت بتسجليها بنفسها، فشعرت أنه من واجبي كتابته، وقد استغرقت مني سنوات نظرًا للبحث عن التسجيلات من عند الأقارب ولرداءة الصوت في بعضها، ولدي اصدار قصصي لمجموعة من القصص القصيرة، والقصص القصيرة جدًا، تتميز بالواقعية الرمزية.
أما بقية الإصدارات فهي (توسد روحي، شائك كأغنية، وشوشة) هي قصائد نثرية مشبوبة بعاطفة طاغية، وتبرز فيها شخصية الأنثى العاشقة.
.
هل لنا أن نتعرف – منك أنت شخصيًا- على الوجه الآخر لصباح فارسي، مشاعرها، أحلامها، طبيعة شخصيتها، إلى ما هنالك من صفات قد تكون ملهمة للجيل الجديد، الذي يود أن يتعرف على ما وراء السطور عن كتاب الروايات والقصص؟
صباح لها وجوه كثيرة، فهي تبدو إيجابية ضاحكة مبتسمة لا يعرف الوجع الطريق إليها، ولها وجه حزين باكٍ سريع التأثر بوجع الآخرين، فلا تتورع عن البكاء متى ما لامسها وجع ما، ولها أيضا وجه متمرد غاضب يظهر حين تكتب، وجه يصرخ عبر الكلمات، ولسان سليط يصور الواقع كما هو دون محسنات، ولها وجه ساخر ولسان سليط يلمز ويسخر من بعض المظاهر في المجتمع، وهي متصالحة مع جميع الوجوه وتوظف كل وجه في وقته.
شخصيتي قوية رغم أنني أبدو مهادنة، قيادية مرنة، أكره الظلم، متمردة، هادئة هدوء البحر، والبحر لا يؤمن في هدوئه، أحب الحياة، القراءة، الكتابة، وأحب الشاي والقهوة ولا أسرف في شيء قط، متوازنة تماما مع ميل باين باتجاه القلب، عقلانية عدا في خطط السفر فربما تقلب الموازيين لصالح الاستمتاع بالطبيعة والتعرف على العالم، والفرجة على صنع الرحمن وما بناه الإنسان.
والكاتب للقصص والروايات أهم ما يميزه أن يكون إنسانًا بكل معنى الكلمة، فترصد كاميرته الحساسة وبصيرته الناقدة ما يراه وما يسمعه وما يحس به من خلال التواصل مع الآخرين مواصلة إنسانية، مع ترك مساحة له في الاعتزال عنهم في ذات الوقت، حتى يتمكن من تصفية ذاته وفكره، ثم الشروع في الكتابة وسكب تجربته الإنسانية في قالب قصصي، روائي، شاعري، بما تقتضيه تلك الحالة للكتابة.

لكل كاتب وخاصة في مراحله الأولى، أعلام وشخصيات أدبية مرموقة كانوا نماذج لهم، أفادوا من كتاباتهم، أو كان لهم دور في تحديد بوصله كتاباتهم، أو ساهموا في إنضاج تجربتهم، هل لك أن تحدثينا عن هذا الجانب؟
قرأت المنفلوطي في بداية حياتي، وقرأت لغادة السمان ولدي معظم ما كتبت، وقرأت لابن القيم، ولقد تأثرت بهم، ولكني حاليا انتهج نهجي الخاص وأسلوب كتابة معين، بما تمليه عليّ الكثير من الكتب أثناء القراءة والكتابة وإعادة الكتابة.
.
حاليا نرى إقبالا كبيرا من الجيل الجديد وغيرهم، على تأليف الكتب والقصص والروايات، وبأعداد كبيرة – ربما فوق المتوقع- هل ترين هذه ناحية صحية، أم أن هناك نوعا من “الزحمة” إذا صحت العبارة، وما هي النصيحة منكم لمن أراد أن يقدم تجربته السردية في كتاب؟
الكتابة طريقة أخرى للتنفس، للتشافي، للمضي في الحياة، هي هواية وليست حكرًا على أحد، فليكتب الجميع ويضع لنا تجربته الإنسانية والأدبية وفي حال نجحت سوف يكررها ويكررها، وفي حال كانت مجرد فقاعة سوف تضمحل وتنتهي، وحتى ذلك الوقت القمة تتسع للجميع، وطريق الكتابة ليس معبرًا مكللا بالورود، فمن استطاع إليه سبيلا فليمض معنا، لعلنا جميعا نجد لنا مكانا في القمم مع الناجحين ممن امتهن الكتابة.
…..
السيرة الذاتية لـ “صباح فارسي”
التعليم
– بكالوريوس لغة انجليزية وآدابها، من جامعة طيبة، المدينة المنورة.
– دبلوم بناء القادة من خلال التغيير، من جامعة ولاية كنت في الولايات المتحدة الامريكية.
الجوائز
جائزة التراث الشعبي السعودي 2020 عن حكاية من التراث الحجازي
ترجمة
ترجمت المجموعة القصصية (مخرج) للغة الانجليزية، من قبل هيئة الادب والنشر لتكون في (قصص من سعودية) لعام 2021،2022 م.
المؤلفات
– رواية (همهمة المحار) 2023 دار تشكيل
– مجموعة قصصية (مَخْرَج) 2022 دار بن ربيع
– نصوص شعرية (شائك كأغنية) 2022 دار بن ربيع
– رواية (عازف القنبوس) 2020 دار تكوين.
– حكايات (حكاوي ستي رحمة)2017 دار الخيال.
– (وشوشة) 2016 دار الجميرا.
– نصوص شعرية (توسد روحي) 2016 العلوم ناشرون
– نصوص شعرية (شغف قلبي) 2014 دار الرمك.
– مشاركة (على ضفاف البوح) و (شذرات القوافي) و (همس الأماني) مع نخبة من الأدباء العرب.
– مشاركة في اصدار النادي الادبي بالحدود الثقافية (مئة قصة قصيرة من السعودية) وفي السرد المنشور لدار بن ربيع (ملاذ وشؤون اخرى)
منجزات
– ندوة عن قصيدة النثر لمؤتمر لبابة الثقافي الدولي الأول (دورة الشاعر بدر شاكر السياب) لعام 2021
– كتيب جائزة الأمير عبدالله الفيصل للشعر العربي تقديم لسيرة الشاعرة هيفاء الجبيري، صدر عن جامعة الطائف وأكاديمية الشعر العربي2020.
– بحث لتحسين المهارة المهملة (الطلاقة في القراءة واثارها على الطلاب ضعاف التحصيل) باللغة الانجليزية، لجامعة كنت الامريكية
– ورقة عمل بحثية (كيف تصنع قارئا جيدا)
– كاتبة سابقا لمقالات وتحقيقات صحفية باللغة الانجليزية.
– كاتبة في صحف سعودية وصحف إلكترونية متعددة.
النشاط الأدبي
_ (مهرجان فرسان الشعري) الثالث 2024
-(ملتقى الأدباء) بحائل 2023
– أمسية عن السرد في مدينة الخرج 2022م
– (ملتقى الأدباء) بالطائف2022
– أمسية شعرية في نادي الطائف 2022
– ندوة عن رواية عازف القنبوس 2022 في الصالون الثقافي
– أمسية قصصية معزوفات سردية 2020
– أمسية شعرية 2020 جدة بالحديقة الثقافية.
– أمسيات في منتدى عبقر بالنادي الأدبي بجدة.
– أمسية في بيروت عام 2014.
– كاتبة سابقا لمقالات وتحقيقات صحفية باللغة الإنجليزية.
– مشاركات متعددة في صحف سعودية وصحف إلكترونية.
– إدارة عدد من الأمسيات (قصصية- شعرية)
العضويات
– عضو في نادي القصة السعودي
– عضو في ملتقى القصة القصيرة الإلكتروني
– عضو في جماعة فرقد الإبداعية
– عضو سابق تحكيم لجائزة أهالي جدة (كلنا نقدرك)
– عضو في الجمعية السعودية للثقافة والفنون بجدة
كتب فيها عن أعمالي
– ناصية القراءة 2 للناقدة هدى توفيق
وقائع أعمال مؤتمر لبابة الثقافي الاول-



