محمد جبران: لا يمكنني العودة إلى البيوت المهجورة، وأول كتبي قابلته بفتور

الاتجاه – مريم الحسن:
هذه الفقرة (ضيف ليالي رمضان) أردنا من خلالها أن تكون مدخلًا لنا، لنقلب بعضًا من صفحات كُتاب القصة، من الأدباء الذين عشقوا هذا الجنس الأدبي الجميل – السرد، وتماهوا مع جمالياته وفنه ومتعته.
ولقاء اليوم مع الأديب القاص (محمد جبران) .. فتعالوا لنتعرف على ما قاله لنا:
ماهي ممرات الفرح التي لا تنساها في حياتك؟
ليست كثيرة .. هي كالومضة، سريعة المرور سريعة النسيان .. وكأنما قدر الإنسان أن يخلق محزونا .. يخرج إلى الحياة بالدموع وكذلك يخرج منها. لكن تبقى ومضة بداية الثمانيات هي الأثمن في حياتي .. حدث انفجار معرفي فاق تصوراتي المحدودة.. انهالت عليّ المعارف من كل ناحية، صحف ومجلات، كتب مذكرات ورحلات، روايات وقصص… حضر العالم بألوانه الساطعة إلى قريتي البسيطة، المنزوية عند سفح أحد الجبال.. كانت أياماً مشعة، أحاطتني بشيء من السحر، وأحدثت في داخلي فورانا كبيرا.. سرعان ما أخمدها السفر إلى المدينة، التي لم تكن يوما رغبتي إليها ملحة.

لو دار الزمان وعدت تسكن في بيتك القديم وتجلس مع أهلك وأحبابك في شهر رمضان بدون انترنت أو جوال توافق أم لا؟
لا أستطيع .. لا أريد المسير إلى الوراء، إلى البيوت المهجورة، وألمس شيء من زمنهم، أود أن تبقى عذرية أرضها وشمسها وضوئها النقي كما هي، وأن أعيشهم كذكرى، اجترّ حزنهم اللذيذ كلما حاصرتني الأوجاع؛ وجوههم، أصواتهم، ضحكاتهم، وخبزهم اليابس تحت الرماد .. كان عمرا ودعناه، وفي القلب دموع.
صورة حية عشتها لا تنساها في أيام الشهر الكريم ومنها نبضت حروفك وكتبت عنها نص له شأن خاص عندك.
صورة في مرحلة المراهقة، لعائلة مسلمة هاجرت من إحدى دول الاتحاد السوفيتي إلى مكة المكرمة في بداية العهد الشيوعي السوفياتي .. في ليال شبه مظلمة، كنت وحيدا معهم، محاطا بالدمار والدموع والخطر.. وأنا أقرأ سيرتها، كنت أعاني كما عانت تلك العائلة المنكوبة من وحشية النظام وقسوة الإنسان، ومحنة عذابات؛ الجوع والخوف وألم أجسادهم المثقوبة… حينها كتب خاطرة، استنزفت عاطفتي، لكنها للأسف، ذهبت مع الريح!!
في رمضان هل تستشعر القصة أم هي تستشعرك بمعنى يلوح لك طيفها أم أنك تبحث عنها لتكتبها؟
ربما الاهتمامات الروحية المفكر فيها في رمضان لا تعطينا فرصة الشعور بالقصة .. القصة تحتاج إلى تأمل، وبحث طويل، عن مكامن الشقاء، عن الحنين ومشاعر الغرام، عن عالم النساء والريح والعطور والأوراق والزحام، والقلق… وربما لأنني كسول!! .. لكن المقالة تظل تلح عليّ.
أول نص كتبته هل كان في الشهر الكريم وإذا كان هل تعرضه علينا.؟
لم تأتي فكرته بعد!!

ماذا تقول عن إصدارك الأول في القصة؟
كنت انتظره بفارغ الصبر .. أحكيه لأصدقائي، وكأني أنشدهم أغنية، وأبشر به نفسي في الأمسيات وعند الصباحات.. لكن وقت صدوره طال كثيرا، وفي ظل ملل المطاردة، تداخل الزمن في الزمن، فأفسد عليّ تلك البهجة.. وعند قدومه حيّيته بفتور.



