مقالات

سرّ الطابق الثالث

هيفاء علي نورالدين

قصة قصيرة

كان البيت العتيق في شارع “السراي” يقف شامخًا كشيخٍ متعب، جدرانه مكسوّة بشقوق داكنة، وشرفاته الحديدية مائلة كأنها تئن من ثقل السنين. لم يكن أحد يجرؤ على رفع عينيه طويلًا نحو الطابق الثالث منه. فالحيّ كلّه كان يتهامس: هناك شيء لا يُقال يسكن في الأعلى.

في الطابق الأول كان يعيش العم “حسان البغدادي”، بائع الكتب المستعملة، رجل هادئ يضع نظارات سميكة ويقضي وقته في ترتيب رفوفه التي لا يشتري منها أحد. وفي الطابق الثاني كانت السيدة “مريم الخزامى”، أرملة أنيقة، تعيش مع قط رمادي ضخم اسمه “سيدي”، لا تتحدث مع أحد إلا جملة مقتضبة في صباحات السوق.

أما الطابق الثالث، فقد بقيت نوافذه مغلقة دائمًا، ستائر كثيفة خلف زجاج معتم. لم يرَ أحد دخان مطبخ يتصاعد، ولا سمعوا ضحكة أو حتى خطوات. يقال إن رجلًا يُدعى “إدريس القنديل” سكنه منذ سنوات، لكنه لم يظهر إلا مرات معدودة، ثم اختفى.

في إحدى الأمسيات الشتوية، حين كان المطر يطرق بشدة على أسطح الزنك، جلس حسان البغدادي على دكّته يقرأ جريدة قديمة. فجأة سمع صوت موسيقى ضعيفة قادمة من فوق، نغمة عود حزينة تتسلل كأنها تنهيدة. تجمّد في مكانه، ثم رفع رأسه إلى السقف: الطابق الثالث!

في اليوم التالي، روت مريم الخزامى أنّها رأت عند الفجر ظلًّا يتحرك خلف النافذة الثالثة من اليسار. لم يكن ظلًّا واضحًا، فقط هيئة رجل يفتح الستارة قليلًا ثم يغلقها بسرعة. ومنذ تلك الليلة بدأ الحديث في الحي: الطابق الثالث عاد إلى الحياة.

مرت أسابيع، وبدأت تظهر تفاصيل غامضة: ورقة صغيرة وجدها حسان تحت باب العمارة كُتب فيها بخطٍ مرتجف: “لا تطرقوا الباب… الماضي لا يرحب بالزوار.”

وفي إحدى الليالي سقط مفتاح صدئ من الشرفة الثالثة على الرصيف. التقطه طفل الحي وأخذه إلى حسان، الذي بقي يقلبه في يده دون أن يجد جرأة للصعود.

ذات صباح، وبينما كان المطر قد غسل الحيّ، شوهد باب الطابق الثالث مفتوحًا لأول مرة. لم يخرج أحد. الرواق كان مظلمًا، رائحة غريبة تنبعث منه، خليط بين عود قديم ورطوبة كتب منسية. تجمع الجيران للحظة، ثم تراجعوا واحدًا تلو الآخر، وكأن البيت لفظ سرّه دون أن يبوح به.

لكن مريم، بعنادها الذي اشتهرت به، صعدت بخطوات بطيئة. لم يرها أحد تعود. كل ما بقي بعدها، نافذة الطابق الثالث المفتوحة على مصراعيها، وستارة تتمايل بحرية كأنها تلوّح لسرّ دفين لن يُكشف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com