الشريك الأدبي .. عندما يتحول فنجان القهوة إلى بوابة للأدب والسينما

بقلم : عبدالله آل سالم القحطاني
حظيت بحضور أمسية أدبية رائعة ومميزة، بعنوان فريد عن: (القصة القصيرة جدا: سرد اللحظة وفن الدهشة ) وأتحفنا وأمتعنا إبداعا وعطاء ضيوف اللقاء الأستاذة ابتسام البقمي والأستاذ محمد جبران والأستاذ نايف مهدي بإضاءات عميقة على صور أدبية وفنية فيها سرد اللحظة وفن الدهشة في انتاجهم الأدبي ، وأدار اللقاء باقتدار الأستاذ المبدع بخيت الزهراني ، وكان العامل المشترك في انتاج الضيوف المشاركين هو الابداع الخلاق والخلفية الثقافية الواسعة والشغف الواضح بالأدب . وأعطى اللقاء زخما وبعدا آخر حضور كوكبة من نخبة الأدباء والمفكرين ومنهم الدكتور سلطان العيسي والدكتور بخيت الزهراني والدكتورة مريم الحميدي والدكتورة هتون الوابل والاستاذة صباح فارسي .
—
لم تعد المقاهي في المملكة العربية السعودية مجرد أماكن لاحتساء القهوة أو لقاء الأصدقاء، بل أصبحت منصات ثقافية نابضة بالحياة، تستضيف الأدباء والروائيين والشعراء والقراء، وتعيد للأدب مكانته الطبيعية في الحياة اليومية. ويقف وراء هذا التحول مشروع ثقافي رائد أطلقته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة تحت اسم ( الشريك الأدبي ).
وقد بدأت الفكرة في عام 2021 ، حيث أطلقت هيئة الأدب والنشر والترجمة مبادرة “الشريك الأدبي” ، بهدف بناء شراكات استراتيجية مع المقاهي الثقافية ، وتحويلها إلى فضاءات معرفية مفتوحة للجمهور ، واعتمدت المبادرة منذ انطلاقها على فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه ، وهي أن الثقافة لا ينبغي أن تبقى حبيسة القاعات المغلقة ، بل يجب أن تنتقل إلى الأماكن التي يرتادها الناس يومياً ، وأن يصبح اللقاء مع الكاتب أو الروائي جزءاً من الحياة الاجتماعية الطبيعية ، وقد بدأت المبادرة باستقبال طلبات المقاهي واختيار مجموعة محدودة من المقاهي المؤهلة لتكون نواة للمشروع ، مع تقديم دعم تنظيمي وتسويقي ولوجيستي لهذه الفعاليات .
ومع نجاح التجربة الأولى ، توسعت المبادرة بصورة ملحوظة ، وأصبحت تستقطب عشرات المقاهي في مختلف مناطق المملكة ، وفي النسخة الرابعة، حققت المبادرة انتشاراً واسعاً من خلال مشاركة 80 مقهى أدبي ، وتنظيم أكثر من 4000 فعالية أدبية وثقافية ، وتنفيذ الأنشطة في13 منطقة بالمملكة ، ومشاركة نحو 1400 أديب ومثقف واستقطاب عشرات الآلاف من الزوار ، وتعكس هذه الأرقام نجاح المبادرة في صناعة جمهور جديد للأدب ، وربط الثقافة بالحياة اليومية للمجتمع السعودي .
ولا تقتصر فعاليات الشريك الأدبي على الأمسيات الشعرية ، بل تشمل حفلات توقيع الكتب ومناقشة الروايات والقصص ونوادي القراءة والمناظرات الأدبية وأدب الطفل والاحتفاء بالمناسبات العالمية الثقافية واستضافة المؤلفين السعوديين والعرب وتوفير الكتب داخل المقاهي وتشجيع الإعارة والتبادل .
وقد حرصت هيئة الأدب والنشر والترجمة على تقديم حزمة واسعة من الحوافز، منها: الدعم اللوجستي لتنظيم الفعاليات والدعم التسويقي والإعلامي ، واستضافة الكتاب والمثقفين والتدريب والإرشاد المستمر ، وتحمل جزء من التكاليف التشغيلية والتسويقية وفق فئات المبادرة ، إضافة إلى توفير الكتب والمعدات اللازمة ، وأولوية المشاركة في فعاليات الهيئة وأيضا رحلات إلى المعارض والمؤتمرات الثقافية وتقديم جائزة أفضل شريك أدبي ، التي تجاوز مجموع جوائزها في النسخ اللاحقة أكثر من مليون ريال موزعة على الفئات المختلفة. وحققت المبادرة عدة أهداف وأبرزها : تعريف الأدب من الجمهور خارج القاعات الرسمية ، ودعم الكتاب والشعراء وإتاحة فرص لقاء مباشر مع القراء ، وتنشيط الحركة الاقتصادية للمقاهي عبر استقطاب شرائح جديدة من الرواد ، وبناء مجتمع قراءة وحوار مستدام ، وتعزيز دور القطاع الخاص في البنية الثقافية بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 .
—
وتتقاطع أهداف الشريك الأدبي مع رؤية مؤسسة رائدة حققت نجاحا ملموسا وجهدا مقدرا وهي مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي، التي تعمل على اكتشاف المواهب وتطوير المشاريع السينمائية ودعم إنتاج الأفلام السعودية والعربية . وينظر اليها كحاضنة لصناعة الأفلام وتطوير المحتوى الإبداعي في المملكة ، وليس فقط منظم لمهرجان سينمائي . وقد أعلن صندوق البحر الأحمر التابع للمؤسسة عن دعمه لمئات المشاريع ومنحا بلغت قيمتها الاجمالية أكثر من 15 مليون دولار مع دعم أكثر من 280 مشروعا سينمائيا منذ إطلاقه .
وتقدم المؤسسة عدداً من برامج الدعم تشمل : تطوير السيناريو ومعامل وورش كتابة الأفلام ، وتمويل المشاريع السينمائية المختارة ، ودعم الإنتاج وما بعد الإنتاج ، وربط صناع الأفلام بالمستثمرين والمنتجين العالميين ، واستضافة الأسواق السينمائية ومنصات عرض المشاريع . ويمثل هذا المسار فرصة مهمة أمام الأدباء السعوديين لتحويل رواياتهم وقصصهم إلى أعمال سينمائية قادرة على الوصول إلى الجمهور المحلي والعالمي . ونوجه التحية الى رئيس مجلس إدارة المؤسسة الأستاذة جمانا الراشد وكذلك الأستاذ فيصل بالطيور وأيضا الرائد المبدع الأستاذ محمد التركي على جهدهم المميز واحترافيتهم المهنية وإخلاصهم الواضح في إدارة المؤسسة ووصولها الى هذا المستوى الراقي والمشرف .
ان الرواية تنشط الخيال الداخلي لكل قاريء فيرسم الشخصيات والأماكن بطريقته الخاصة ، أما الفيلم فيقدم خيالا جماعيا يصنعه المخرج فيتلقى جميع المشاهدين الصور والأصوات نفسها تقريبا مما يجعل تأثيره العاطفي أسرع وأوسع انتشارا . وأحيانا لا يكون الفيلم نسخة مطابقة للرواية بل يقدم قراءة جديدة لها . كما أن تحويل القصص الى أفلام يحافظ على التراث الثقافي حيث أن بعض الروايات القديمة قد لا يقرأها الجيل الجديد ، لكن تحويلها الى فيلم يجعلها حاضرة في الوعي العام لعقود طويلة ، ولهذا بقيت كثير من أعمال الأدباء العرب وغيرهم في الذاكرة الشعبية . وعندما ينتج الفيلم ترتفع مبيعات الرواية ، وتزداد شهرة الكاتب ، وتباع حقوق الترجمة والنشر من جديد ، وتتحقق إيرادات من دور العرض ، والمنصات التليفزيونية الرقمية ، ولهذا أصبحت حقوق تحويل الروايات الى أفلام ، صناعة قائمة بذاتها . والفيلم يمنح الشخصيات والأماكن والموسيقى والصورة ، حياة جديدة فينقل القاريء من التخيل الفردي ، الى تجربة بصرية وسمعية مشتركة ، تجسد رؤية المخرج والممثلين . وفي حين أن الرواية قد يقرأها آلاف أو مئات الآلاف من الأشخاص ، يمكن للفيلم أن يشاهده الملايين من الناس ، في مختلف الدول واللغات ، ويؤدي الى نشر الأدب الى جمهور أوسع.
وإذا كان الأدب هو المادة الخام ، فإن السينما هي الوسيط الذي يمنحه حياة جديدة ، ولعل فيلم “دعاء الكروان” يعد أحد أعظم النماذج العربية في تحويل الرواية إلى فيلم خالد ، والذي كتب الرواية عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، الذي قدم عملاً إنسانياً عميقاً يناقش قضايا المرأة والعدالة والثأر والصراع بين التقاليد والضمير . وعندما تحولت الرواية إلى فيلم ، اجتمعت مجموعة من كبار المبدعين: الكاتب الدكتور طه حسين والبطولة : الفنانة فاتن حمامة ، التي قدمت أداء يعد من أعظم مستويات الأداء في تاريخ السينما العربية ، وكذلك البطل أحمد مظهر الذي قام بدوره بكل احتراف . والإخراج : هنري بركات، الذي عرف بلقب شاعر الشاشة ، والذي استطاع أن يحول الرواية إلى لغة بصرية شديدة الحساسية. والسيناريو والحوار: اللذين حافظا على روح النص الأدبي مع تقديم معالجة سينمائية متماسكة والموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية: التي أسهمت في بناء الحالة النفسية للشخصيات ، فجاء صوت الكروان رمزاً للحنين والألم والانتقام ، وأصبح عنصراً درامياً لا يقل أهمية عن الصورة أو الحوار. ولم يكن نجاح الفيلم نتيجة شهرة الرواية فقط ، بل جاء من تكامل عناصر الإبداع الأدبي والتمثيل والإخراج والتصوير والموسيقى، ليبقى واحداً من أهم الأفلام في تاريخ السينما العربية. وأيضا هناك عدد من الكتاب والأدباء العرب الذين كان لهم باع كبير في الكتابة الأدبية وتحولت قصصهم الى أفلام ، ولكن يظل نجيب محفوظ صاحب الرقم القياسي عربيا في تحويل عشرات من رواياته وقصصه الى أفلام ومسلسلات ، حيث ينظر اليه بوصفه الكاتب الذي أسهم أكثر من غيره في بناء الجسر بين الأدب والسينما العربية . وهناك نماذج عالمية في الأدب الغربي حققت نجاحا هائلا بعد تحويل الروايات الى أفلام ومنها : ذهب مع الريح للكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشيل ، بين مدينتين للكاتب البريطاني تشارلز ديكنز ، والجريمة والعقاب للكاتب الروسي فيدرو ديستوفسكي ، وأيضا الحرب والسلام للكاتب الروسي ليو تولستوي وغيرهم كثير .
إن مبادرة الشريك الأدبي لا تصنع فعالية ثقافية فحسب ، بل تبني جسراً بين الكاتب والقارئ ، وبين الرواية والسينما ، وبين المقهى والمجتمع ، وعندما يلتقي الأدب مع المؤسسات الداعمة للإنتاج السينمائي ، تتحول القصص المحلية إلى أعمال عالمية ، وتصبح المقاهي مختبرات للإبداع ، والروايات السعودية مشاريع أفلام تنتظر من يكتشفها.
إنها رحلة تبدأ بفنجان قهوة وكتاب، وقد تنتهي على السجادة الحمراء في مهرجان سينمائي عالمي .
–
alamhar@hotmail.com



