(أزمة الهوية في ظل الاغتراب النفسي)
قراءة في رواية "سقوط فارس الأحلام"لـ الروائية الجزائرية عائشة بنور

بقلم مشعل العبادي
“إنّ الحياة لا تتوقف أبداً ومياه النهر لا تكف عن الجريان. إنّ الخطأ ليس أن نعيش حياة لا نرضاها لكن الخطأ هو ألا نحاول تغييرها إلى الأفضل دائماً”
نستهل قراءتنا للنص بمقولة الفيلسوف الإغريقي، والتي تبدو من أول وهلة أنه أراد أن يصف بها الحياة، لكنه في حقيقة الأمر أراد التحذير من الزمن، وتُجسّد تلك المقولة، الرسالة الضمنية لرواية “سقوط فارس الأحلام” وما أرادت أن تقوله صراحة وتأويلاً الروائية الجزائرية عائشة بنور .
وكما أشار د. “أحمد طاهر حسنين” في كتابه “جماليات المكان” بأن الإنسان: “مخلوقٌ في حيزٍ زمانيٍّ ومكانيّ”، ومن ثم فهو يتأثر بكلٍّ من الزمان والمكان ويؤثّر فيهما أيضا، ويتفاعل معهما باعتبارهما ثمرة التاريخ، وأيضا بطبيعة الأمر يتقاطع العمل الروائي مع الزمان والمكان، والشخصيات، ويصف المشاعر الإنسانية المختلفة، فيشير إلى المسكوت عنه، ويحلّل الشعور الإنساني الغريب والمضطرب، ووفق هذه النظرية تأتي رواية “سقوط فارس الأحلام” زاخرة بكمّ هائل من العمق الإنساني، وبراعة في استخدام التأويل التاريخي، ولا نغفل أيضا التحليل المتعمق في الشخصيات، ورصد تقلباتها مع الزمان والمكان.
ورغم ما يبدو من ظاهر الرواية من كونها تبدو كرواية رومانسية؛ إلاّ أنّها تحكي قصة معاناة المرأة في مجتمع ذكوري تتحكم فيه التقاليد البالية والسلطة المالية، وتستعرض تكسّر أحلام النساء على صخرة الظروف القاسية والفساد، حيث تختزل هذه المعاناة في شخصيات نسائية تسعى للتحرر من القهر واليأس وتواجه مواقف القهر والاستبداد المجتمعي والمالي والثقافي.
ظاهر الرواية يروي بعض النماذج لتقاطعات الحب المعقدة، لكنها في واقع الأمر تبحر عميقاً في رحلةٍ لاستكشاف دواخل شخصيات محبطة، ضائعة، تعاني أزمة هوية، وترزح تحت وطأة اغتراب نفسي ومجتمعي لكنها تقاوم بطريقتها؛ إنها حكاية عن الإنسان في مواجهة مجتمع قاسٍ، وعن صراع الهوية والبحث عن الذات. “سقوط فارس الأحلام” ليست مجرد رواية، بل هي شهادة عن النضال من أجل الكرامة والتمسك بالحرية .
تبدأ الرواية من لحظة تقترب قليلا من خاتمتها، لكنها لحظة تصلح لأن توجهنا لاسترجاع الذكريات من ناحية، وتتناص مع عتبة العنوان من ناحية ثانية، وهنا نستحضر مقولة “ليو هوك” عن العناوين بأنها:
“مجموعة من العلامات اللسانية من كلمات وجمل، وحتى نصوص، قد تظهر على رأس النص لتدل عليه وتعينه، تشير لمحتواه الكلي، ولتجذب جمهوره المستهدف.”
يبدأ “سقوط فارس الأحلام” بعد المقدمة التي قدمها د. (خالد عارف)، والتي تحمل عنواناً مغايرا وهو (استهلال)، ومن ثم يبدأ الفصل الأول بعنوان”دموع وذكريات”، ويبدأ السرد من خلال صوت شخصية “شعبان”، يبدأ السرد من لحظة حواره الذاتي وبحثه عن حقيقة نسبه لأبيه (الهلالي) وعن أمّه والتفكر في مصيرها، وهل هي (أم الزهور) أم (عليسة) التي اتُّهمت في شرفها وغادرت المنزل تاركة الزوج يتخبط في دائرة الشك، أيضا تصف الرواية غرق “شعبان” في متاهة الرفض والتجاهل الذي يُعامل به من أبيه الهلالي.
ومن هنا تستدرج الكاتبة القاريء إلى قضية أهم وأكبر من قضية “شعبان” الهائم بحثاً عن حقيقة نسبه، وهي (ضياع الهوية) وهو السبب الرئيسي والذي جعل الكثير من الشباب يتخذون طريق الهجرة من اجل تحسين معيشتهم.
تشير “عائشة بنور” في رواية “سقوط فارس الأحلام” إلى معان أخرى في المجتمع العربي والجزائري خاصة، وتشير وكأنها على طاولة جراحة (السرد) إلى منبت جذور ورم خبيث، هو وباء الهجرة، هجرة الجزائريين بحثا عن حياة أفضل، إذ يقول “شعبان”:”أركب قوارب الموت إلى الموت هاربا من فقري المدقع”.
أو ربما هرباً من متاهة البطالة، بعد ما استهلك شبابه وعمره في التعليم؛ فهنا ببساطة يعبّر “شعبان” عن حزنه على حياته التي ضاعت على الرغم من محاولات تحسينها ومجهوداته وحرصه على استكمال تعليمه، وفي الخير الذي لم يكافأ عليه.
بدأت الرواية من استرجاع ذاكرة (شعبان)، ورحلة البحث عن وجوده الفكري والجسدي، والتقديم لقضيته عبر علاقات متشابكة، أيضاً تقدم الرواية قصص لنماذج نسائية زاخرة بالنقد للتقاليد والموروثات، مثل قصة “عليسة” التي اتهمت في شرفها لمجرد جمالها الفاتن، و”أم الزهور” وحلم الأمومة العصي على التحقق والوصم بالعقم، و”ريم” المخلصة لذكرى حبيبها “شعبان”، والتي اعتصرها قرار رحيلها الاضطراري عن قريتها ومحبوبها الذي أمعن في الغياب، وعن نوبات الألم التي واجهت بها عجزها عن تحقيق حلم العدالة الاجتماعية، وعن “لمياء” واضطرارها قبول الزواج بـ”محمود”، وقبولها أيضا خياناته السرية والمعلنة، وعن “كريمة” التي رفضت الرضوخ لشرط الحجاب حتى تتزوج، تقول كريمة: (لقد ارتبط الزواج في قريتي بلبس الحجاب كي أتزوج ولا یفوتني القطار وأنعت بالعانس) وهي ذاتها “كريمة” المغدورة من محمود بعد أن سلبها شرفها، وحملت سفاحا منه وحوكمت، وعن “فاطمة”وحلمها المفقود بالأمومة، وعن “حورية” البالغة ٤٠ عاما، والتي تقضي وقتها في خدمة أسرتها وأبناء العائلة.
تقول حورية: (تخلّت المرأة عن أنوثتھا، وأصبحت مجـرّد مومیاء تتلاعب بھا أناملُ مشوَّھةٌ، وعقولٌ فارغة، ونفـوسٌ مریضة).
إنّ الكاتبة تظهر لنا بعد فضاء نصي كبير تشابكت فيه هذه العلاقات المتداخلة، كيف أن نساء روايتها سجينات لأفكار متوارثة، وضحايا تيار النفاق الاجتماعي. وقد توغلت من خلالها الكاتبة في نقدها للتقاليد والموروثات بإثارتها إشكالية جدليّة مزمنة، وهي مسألة النقاب وارتباطه بالتقاليد ونظريّة العيب والحلال والحرام. لقد شُرّد أبناء وتشتّت شمل عائلات باسم العادات والتقاليد التي ظاهرها خير وباطنها مكروه، لكن الملفت أن (شعبان) هو محور الأحداث، وهو الشخصية المحورية، والتي على أساسها ومن حولها تدور كل الأحداث التي يتم تقديمها هنا، وهو ما يذكرنا بمقولة (جورج لوكاتش) حول بناء الشخصية في المتن الروائي من أنها تعد: «أحد المقاييس الأساسية التي يعتمد عليها للاعتراف بكاتب الرواية أنه روائي حقيقي.».
وفي هذا الصدد نجد أن “عائشة بنور”، قد أبدعت في تصميم هذه الشخصية، ورسمت أعماقها المتناقضة والمتداخلة، وتقديم صراعاتها النفسية، وآمالها وطموحاتها بصورةٍ تجذب القارئ للاستغراق في كل تفاصيل العمل الروائي، بل يمكننا بأريحية أن نقول أن الرواية قد وفّقت في معالجة العديد من القضايا المتعلقة بمختلف المجالات الخاصة، أو العامة، وساهمت في خلق صورة تعبّر عن الواقع، ومعاناة المرأة والشعب الجزائري بسبب واقع اجتماعي انصهرت فيه الأحلام والقيم الأخلاقية، يقول الراوي وعلى لسان “شعبان” في نهاية النص: “أنا حر … أنا حر … حر”
إنّ النهاية الفعلية تطرح واقعاً آخر مفاجئا ومتعدد الاحتمالات تماما، لكنه يهمس لنا بأنّنا طالما واتَتْنا القدرة على الحلم بالحرية.. إذاً نحن نستطيع أن نحقق الحلم.



