محمد ربيع العضابي.. رجلٌ يقرأ لغة النحل ويكتب سيرة الجبال بالعس

كتب حمد دقدقي
ليست كل المهن تُورث أصحابها شهرة، ولكن بعض الرسالات تصنع لأصحابها مكانةً لا تمنحها المناصب ولا تصنعها الأضواء. ومن بين تلك الرسالات، تقف تربية النحل في مرتبةٍ فريدة؛ فهي ميثاقٌ بين الإنسان والطبيعة، وعهدٌ من الصبر والدقة والإخلاص، لا يجنيه إلا من عرف كيف يصغي إلى همس الأزهار، وكيف يقرأ لغة النحل وهي تنسج من رحيق الجبال أعذب ما تهديه الأرض للإنسان.

وفي جازان، حيث تتكئ الجبال على السحاب، وتفوح رائحة السدر والسمر من الأودية والمرتفعات، يبرز اسم محمد ربيع العضابي، صاحب مناحل جبل طلان ووادي قصي، بوصفه أحد الوجوه التي لم تكتفِ بإنتاج العسل، بل صنعت له هوية، وربطت اسمه بجودة المنتج، وصدق المهنة، وأصالة الريف السعودي.
على مدى سنوات طويلة، ظل العضابي يرافق مواسم الإزهار كما يرافق البحّار مواعيد المد والجزر؛ يعرف لكل زهرة موعدها، ولكل وادٍ عطاياه، حتى غدت خلاياه مرآةً صادقةً لتنوع البيئة الجازانية، يحمل كل وعاءٍ من عسله خلاصة رحلةٍ تبدأ من أعالي الجبال، وتعبر آلاف الأزهار، ثم تستقر قطرةً ذهبيةً تختزن نقاء الطبيعة وروح المكان.
ولم يكن النجاح عنده مرهونًا بالإنتاج وحده، بل تجاوزه إلى نشر المعرفة وصناعة الوعي. فحوّل منحل جبل طلان إلى بيتٍ مفتوحٍ للعلم، يستقبل المهتمين والهواة والأسر المنتجة، ويقدم لهم خلاصة تجربة امتدت لعقود، بالتعاون مع وزارة البيئة والمياه والزراعة، وبرنامج ريف السعودية، وجمعية التنمية بجازان، وبمشاركة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، في ورشٍ ودوراتٍ تدريبية تعنى بأفضل الممارسات والتقنيات الحديثة في تربية النحل وإنتاج العسل.
ومن يزور المنحل يدرك سريعًا أن المكان ليس سوقًا للمنتجات فحسب، بل مدرسةٌ ميدانية تنبض بالحياة؛ حيث تتحول كل خلية إلى درس، وكل إطار شمع إلى حكاية، وكل سؤال إلى فرصة لنقل المعرفة. وهناك يقف محمد العضابي، بحديثه الهادئ وأسلوبه السلس، يشرح أسرار هذه المهنة كما لو أنه يروي فصولًا من كتابٍ قديم، فلا يبخل بعلم، ولا يضيق بسؤال، مؤمنًا بأن الخبرة كلما تقاسمتها مع الآخرين ازدادت رسوخًا ونفعًا.
ولذلك، لم تغب مشاركاته عن المهرجانات الزراعية والتراثية التي تحتضنها منطقة جازان عامًا بعد عام. ففي مهرجانات العسل والمانجو وسائر الفعاليات الريفية، يحضر بجناحه الذي أصبح محطةً يقصدها الزوار، ليس لاقتناء العسل الطبيعي والسمن البلدي وزيت السمسم فحسب، بل للاستماع إلى تجربة رجلٍ عاش مع النحل حتى صار جزءًا من حكايته.
ولأكثر من عقدين، كان حضوره في القرية التراثية بجازان شاهدًا على إخلاصه للمهنة، حيث أسهم في التعريف بعسل جبل طلان، وربط الزوار بمنتجٍ يحمل ملامح البيئة الجازانية بكل ما فيها من نقاء وثراء. وخلال هذه المسيرة، نال العديد من الشهادات والتكريمات المحلية والدولية، تقديرًا لخبرته، وجودة إنتاجه، وإسهاماته في تطوير قطاع تربية النحل، غير أن أعظم أوسمته بقيت ثقة الناس، واحترام المهنة، ومحبة كل من عرفه عن قرب.
فالذين التقوه لا يتحدثون عن جودة عسله وحدها، بل عن جودة الإنسان نفسه؛ عن كريم الخلق، رحب الابتسامة، حاضر البديهة، الذي يجعل من الحوار متعة، ومن المعلومة رسالة، ومن الضيافة عنوانًا للأصالة. وهي صفات جعلته سفيرًا حقيقيًا للنحال السعودي، ومثالًا للإنسان الذي جمع بين الحرفة والعلم، وبين النجاح والتواضع.
وهكذا، تبدو تجربة محمد ربيع العضابي أكبر من قصة نحّالٍ ناجح؛ إنها سيرة رجلٍ أدرك أن التنمية تبدأ من الأرض، وأن الحفاظ على الموروث لا يكون بترديد الحكايات، بل بإحيائها عملًا وإنتاجًا وتعليمًا. فاختار أن يجعل من خلية النحل وطنًا صغيرًا للنظام والإتقان، ومن قطرة العسل رسالةً تقول إن أجمل ما تمنحه الطبيعة هو ذلك الذي تصنعه الأيدي الأمينة، وتباركه الخبرة، ويحفظه الإخلاص
هذه ليست سيرة نحّال فحسب، بل شهادة على أن جازان ما زالت تنجب رجالًا يحولون خيرات الأرض إلى ثقافة، والمهنة إلى رسالة، والإنتاج إلى قيمةٍ وطنية تبقى أثرًا للأجيال



