مقالات

الكرونوتوب في رواية: «رصاصة هزّت القرية» لبخيت طالع

8 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

قراءة: محمد بن ربيع

عندما أتممت قراءتي الأولى لرواية «رصاصة هزّت القرية» للروائي السعودي بخيت طالع الزهراني، قفزت بي الذاكرة إلى باختين وصيغته النقدية الجذابة التي أطلق عليها اسم الكرونوتوب، وهي نظرية تهتم بفحص العلاقات المكانية–الزمانية داخل النص، لا باعتبارهما جغرافيا أو تاريخا، وإنما باعتبارهما أدوات معرفية يتولد من خلالها المعنى الأدبي، وتتحدد ملامح الشخصيات، وطبيعة الصراع، ورؤية النص للعالم. ولذلك قلت في نفسي: سيعثر باختين على أكثر من كرونوتوب في هذه الرواية.

1- الكرونوتوب المهيمن: القرية الزراعية

قرية الأماجدة ليست اسمًا جغرافيًا، إنها عالم لا يمكن فصل زمنه عن مكانه. فالزمن فيها يُقاس بالمواسم: الذرة، والحنطة، والصرام، والسقيا، ورمضان، والعيد. والمكان فيها يُنظَّم بالركيب، والفلج، والبئر، والسقيفة، والمسراب، والوادي. والعمل فيها يتكرر في دورات: حرث، وسقيا، وحراسة، وحصاد. والعلاقات الاجتماعية داخلها تنتظم في البيوت، واللحام، والمجلس، والمسجد، والسوق.

هنا لا تمر الساعة بالطريقة المألوفة (أرقام متتابعة)، بل تمر في هيئات، مثل: ظل جبل يمتد على الركيب، أو ماء يصل إلى القصبات، أو سنبلة تبلغ النضج، أو قمر يتوسط السماء، أو أذان يعلن الفجر، أو محصول ينتظر الصرام. وهذا كرونوتوب أصيل؛ لأن الزمن القروي صار قابلًا للرؤية في هيئة أرض، وماء، ونبات، وحياة يومية رتيبة.

2- كرونوتوب العتبة

العتبة من المواضع الأثيرة عند باختين؛ لأنها لحظة مكانية وزمانية يتغير عندها المصير. والرواية مليئة بالعتبات:

عتبة سقيفة الحراسة قبل إطلاق الرصاصة، وعتبة بيت سالم عند عودته للاعتراف، وعتبة بيت سعدية حين يخرج جمعان إلى ليلته الأخيرة، وباب سعدية حين يقف سالم طالبًا خميسًا، وطرف قرية الرهاد عند وصول الأسرة مع الفجر، وباب بيت محسن عند التحول من الهرب إلى الحماية، وعتبة حافة البئر (أو القفّ) في الخاتمة.

ولا يكاد أحد يعبر عتبة من تلك العتبات إلا ويخرج منها إلى حال أخرى: جمعان يعبر عتبة بيته حيًّا فلا يعود، وسالم يعبر عتبة بيته مذنبًا ثم يخرج منها لاجئًا، والأسرة تعبر حدود قرية الرهاد خائفة ثم تعود منها مصونة، وفي النهاية يقف الجميع على حافة البئر أمام حقيقة أن الماضي سيطفو على السطح مهما طال الزمن.

3- كرونوتوب الطريق

الطريق عند باختين موضع اللقاء، والمصادفة، وتقاطع المصائر. وفي هذه الرواية عدة طرق: طريق سالم من السقيفة إلى القتيل، وطريق عودته إلى البيت، وطريق الأسرة من الأماجدة إلى الرهاد، وطريق جابر إلى سالم، وطريق مسفر وخميس بمحاذاة ركيب سالم، وطريق سعيد من القرية إلى مكة، وطريق رحلات جمعان الموسمية إلى مكة، التي أوقفتها الرصاصة.

لكن الطريق الأهم هو طريق الرهاد؛ ففي الليلة الأولى كان طريق فرار، وبعد خمس سنوات أصبح طريق مصاهرة. المكان ذاته لم يتغير، لكن معناه عبر الزمان قد تغير. سار سالم فيه أول مرة مهددًا بالدم، ثم سار فيه بعد خمس سنوات طالبًا عائشة لابنه. وهذه من أنضج العلاقات الكرونوتوبية في الرواية؛ فالطريق لا يصل قريتين فقط، بل يصل زمن النكبة بزمن التعافي.

أما طريق مكة فيمثل انتقالًا من الزمن الزراعي الدوري إلى زمن التجارة الصاعد: من تكرار المواسم إلى تراكم المال والخبرة والوجاهة.

غلاف اول رصاصة هزت القرية 1

4- كرونوتوب البيت

البيوت في الرواية كثيرة، ولكنها تتعرض لتحولات عبر الزمن:

بيت سالم: (بيت الأسرة، ثم بيت الاعتراف، ثم بيت الخوف، ثم بيت الرحيل، ثم بيت العودة والعرس). وبيت محسن: (الملجأ الذي يتحول بعد خمس سنوات إلى منبع المصاهرة). وبيت مسفر: (الحزن، والتشاور، وتحديد الموقف من الدية). وبيت سعدية وجمعان: (الفقر، والحب القديم، والخروج الأخير). والبيتان المتلاصقان لمسفر وموسى: (مكان نشأة الحب بين جمعان وسعدية).

أما بيت سالم، على وجه الخصوص، فتختزن جدرانه الزمن؛ لأنه الموضع الذي اجتمعت فيه الأسرة مذعورة ليلة الرصاصة، وهو نفسه الذي يرى عرس أحمد بعد خمس سنوات، وفي إحدى زواياه تختبئ البندقية عامًا وأكثر. أي إن الماضي لا يبقى في الذاكرة وحدها، بل يُخزَّن ماديًا داخل البيت، ولذلك تمنح البندقية المخبأة البيت «طبقة زمنية» باطنة، نختصرها في قولنا: الأسرة تعيش حاضرها، بينما ترقد ليلة الرصاصة تحت العلف اليابس.

5- كرونوتوب السقيفة

السقيفة من أكثف أمكنة الرواية؛ فقد بناها الجد، وورثها الحفيد، وفيها تتم حراسة محصول الحاضر، ومنها انطلقت الرصاصة، وإليها عادت الأسرة بعد الصلح، وهي تستدعي ماضي سالم الزراعي والعائلي.

في هذا الحيز الصغير تتراكب أزمنة متعددة: زمن الجد، وزمن سالم الحارس، وليلة الجريمة، وظهيرة العودة. إنها ليست مجرد سقيفة في حقل، بل هي وعاء لذاكرة ثلاثة أجيال. وكان يمكن أن تصبح مركز الرواية الكرونوتوبي المطلق لو عادت إليها الرواية في خاتمتها، لكن الخاتمة فضلت البئر.

6- كرونوتوب البئر

البئر ـ وأنا بذلك زعيم ـ أغنى موضع في الرواية كلها.

ظهرت أول مرة بوصفها فكرة شيطانية؛ إذ يفكر سالم في إلقاء جثة جمعان فيها قبل أن تظهر مع أول الدلاء صباحًا.

ثم ظهرت مرة ثانية في الفصل الأخير قرب الركيب الذي اشتراه من مسفر، لتصبح مصدر الماء والحياة، ومركز السواني، ومقصد النساء حاملات القرب، وموضع نوم سالم، وموضع الحلم بالحنطة والعيد والعطاء، وموضع الحلم المشؤوم، ثم موضع الجسد الغامض الطافي.

والأهم أن النهاية تحقق صورة فكّر فيها سالم ليلة الرصاصة ثم رفضها: جسد يطفو على ماء البئر مع الصباح. يعود المستقبل ليجسد احتمالًا قديمًا لم يقع. وهذا زمن دائري، لكنه ليس تكرارًا حرفيًا، إنه عودة الصورة وقد انتقلت من الضحية إلى مطلق الرصاصة.

وهذا الموضع من الرواية، لو قرأه باختين، لأظنه سيتوقف طويلًا عند هذه الحلقة ليكتب: ليلة الرصاصة: سالم يتخيل جمعان طافيًا في بئر، وبعد نحو عشرين سنة: أهل القرية يرون شيئًا طافيًا في البئر. المكان هنا حفظ الفكرة عشرين عامًا، ثم أعادها في صورة واقعة غامضة.

7- كرونوتوب المواسم الدائري

الرواية تبدأ بمحصول الذرة، وتنتهي بمحصول الحنطة. وقد كانت الذرة في البداية مرتبطة بالجوع، والسرقة، والرصاصة، بينما جاءت الحنطة في النهاية مرتبطة بالوفرة، والصدقة، وكسوة العيد.

لكن الدورة لا تكتمل في سلام؛ فكما لم يصل جمعان إلى وجبة يحلم بها من الذرة، لا نعرف تمامًا هل وصل سالم إلى حصاد الحنطة أم لا. إذن فالزمن الزراعي، الذي يبدو دائريًا مطمئنًا، يخترقه زمن الفاجعة المفاجئ. النبات ينضج وفق نظام، لكن الإنسان لا يبلغ، دائمًا، موسم حصاده.

8- كرونوتوب السيرة العمرية

تبدأ الرواية بسالم في الخمسين، وتنتهي به عند السبعين، ويُجسَّد تقدمه في العمر مكانيًا على الوتيرة التالية:

في الخمسين: يحرس المزارع الواسعة جنوب القرية.

وفي السبعين: ينكمش نشاطه إلى الركيب الصغير قرب البيت.

العمر هنا لا يخبرنا به الرقم وحده، بل نراه في تقلص المجال الذي يستطيع الجسد أن يشغله: من اتساع الحقول البعيدة إلى محيط البيت، ومن السقيفة على التل إلى قُفّ البئر القريب.

9- كرونوتوب القرية ومكة

المقابلة بينهما ليست مجرد ريف ومدينة، بل انتقال جسد وروح. ومع ذلك، لا تقطع مكة سعيدًا عن القرية؛ فهو يعود في الأعياد محملًا بالخيرات، فيربط العيد الزمنين والمكانين، ويجعل السوق المكي يصب ثماره في البيت القروي.

10- كرونوتوب الدية

وهذا يُفهم من تطور القيمة التي كانت عليها آنذاك (3000 ريال فضة)، بناءً على ثمن الجمل الواحد يومها (30 ريالًا)، حيث إن دية الرجل شرعًا تعادل مائة من الإبل. وهكذا تتباين الدية من زمن إلى آخر تبعًا لتباين أسعار الجمال.

خاتمة

بلا شك، سيجد باختين في الرواية ما يثري صيغته النقدية، ولا سيما في أربعة تكوينات كبرى:

كرونوتوب القرية الزراعية: الزمن موسم، والمكان أرض وماء. وكرونوتوب الطريق بين الأماجدة والرهاد، حيث يتحول الفرار إلى مصاهرة. وكرونوتوب السقيفة والبئر، حيث تنطلق الجريمة من الأولى، وتعود صورتها الموجعة في الثانية. وكرونوتوب العمر، حين تضيق جغرافية سالم كلما اتسع ماضيه.

على أن أعمق صيغة كرونوتوبية في الرواية، عندي، هي الرصاصة التي وقعت في لحظة خاطفة، لكن القرية احتاجت عشرين عامًا، ومجموعة من الأمكنة، كي تستوعب صداها. فالذي هزّ القرية لم يكن صوت الطلقة وحده، بل الزمن الطويل الذي أخذ يتنقل بها من الحقل إلى البيت، ومن البيت إلى المجلس، ومن القرية إلى الرهاد، ثم إلى مكة، وأعادها أخيرًا طافية على سطح بئر قرب بيت سالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com