ذاكرة السوق الداخلي تودّع العم سالم

كتب حمد دقدقي
ليس الذين يصنعون تاريخ المدن هم أولئك الذين تتصدر أسماؤهم واجهات القصور، ولا الذين تُكتب ألقابهم على أبواب المكاتب الواسعة، وإنما أولئك البسطاء الذين يمرون في الحياة كنسيم الفجر، فلا يلتفت إليهم الناس إلا إذا غابوا، فإذا غابوا أدركوا أن المدينة قد فقدت شيئًا من روحها، وأن الزمن قد اقتطع من ذاكرتها صفحةً لن تعود.
واليوم، تقف جازان على بابٍ من أبواب الحزن، لا لأنها ودعت رجلًا فحسب، بل لأنها ودعت زمنًا كاملًا كان يتنفس في هيئة رجل اسمه العم سالم.
منذ ما يقارب ستين عامًا، وقف ذلك الشاب في ركنٍ متواضع من السوق الداخلي، يحمل برّادًا معدنيًا يغلي بالماء، وكؤوسًا زجاجية صغيرة، وبعض عيدان النعناع والحبق والشمطري. لم يكن يدري أنه لا يبيع الشاي، بل ينسج خيطًا خفيًا بين الناس، ويؤسس لذاكرةٍ ستظل أطول عمرًا من الحجر، وأبقى أثرًا من كثيرٍ من الأبنية التي ارتفعت ثم اندثرت.
وكان الفجر يعرفه قبل أن يعرفه الناس. يفتح السوق على مهل، ويوقد ناره الصغيرة، فيرتفع بخار البرّاد يصعد إلى السماء، وتسبق رائحة النعناع خطواته، فتوقظ الأزقة، وتخبر الدكاكين أن النهار قد بدأ، وأن العم سالم قد جاء يحمل دفء الصباح في كفّيه.
لم يكن سر شايه في أوراقه، ولا في حمرة لونه، ولا في مذاقه الذي لا يُنسى؛ وإنما كان السر في قلبٍ عرف كيف يجعل من أبسط الأشياء رسالة محبة. كان يقرأ الوجوه كما يقرأ الناس الكتب، ويعرف من نظرة العين مقدار السكر الذي يليق بصاحبها، ومن نبرة الصوت مقدار النعناع الذي يطفئ تعب يومه. حتى غدا كل كأسٍ يقدمه أشبه بمصافحةٍ دافئة، وكل ابتسامةٍ يمنحها صدقةً خفية لا يعلم ثوابها إلا الله.
مرت الأعوام… وتبدلت الأسواق، وتغيرت الواجهات، وتعاقبت الأجيال، وارتفعت المباني، واختفت وجوه، وجاءت وجوه، وبقي العم سالم وحده ثابتًا في مكانه، كأن الزمن كلما مضى ترك عنده شيئًا من ذاكرته. كان كرسيه الخشبي أكثر رسوخًا من كثيرٍ من المقاعد الوثيرة، وكان برّاده العتيق أكثر حياةً من آلاتٍ حديثة لا تعرف معنى الألفة.
ثم جاء اليوم الذي لا بد أن يأتي.
سكت البرّاد.
وخمدت النار.
وبقيت الكؤوس الزجاجية مصطفةً في صمتٍ مهيب، كأنها تنظر إلى الباب منتظرةً يدًا لن تعود، فيما بقيت أوراق النعناع تعبق برائحة المكان، شاهدةً على رجلٍ عبر من هنا، وترك في الهواء أثرًا لا تمحوه السنون.
ولعل أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس المال، ولا العقار، ولا المناصب، وإنما تلك المحبة التي تستقر في القلوب دون استئذان. فالعم سالم لم يكن أميرًا ولا وزيرًا، ولم يملك إلا برّادًا وكأسًا وابتسامة، لكنه امتلك ما هو أثمن من ذلك كله؛ امتلك دعوات الناس، ومودتهم، وذكراهم الجميلة، وهي الثروة الوحيدة التي لا تفنى.
رحم الله العم سالم…
فقد رحل الجسد، وبقيت جازان كلما مرّت بالسوق الداخلي تسمع في أعماقها ذلك النداء الهادئ: “تفضل يا غالي… الشاهي جاهز.” وستظل تلك العبارة، على بساطتها، واحدةً من أجمل العبارات التي قالتها المدينة لأبنائها، لأنها خرجت من قلبٍ عاش كريمًا، ورحل كريمًا، وترك خلفه سيرةً عطرةً لا تكتبها الأقلام وحدها، بل تحفظها الأرصفة، وترويها الأسواق، وتتناقلها الأجيال ما بقي في جازان صباحٌ تفوح فيه رائحة النعناع



