مقالات

القراءة كصيرورة لا تنتهي

صفاء الأحمد

نحن كائنات في صيرورة دائمة، نتحرك مع الزمن، ومع كل لحظة يُعاد تشكيل فهمنا للجمال والمعنى والوجود.

لذلك يمكننا القول أنّك حين تعيد قراءة الكتاب في مرحلتين عمريتين مختلفتين، فأنت لا تقرأ ذات الكتاب!

يظن القارئ في بداياته أن الكتب ثابتة، وأن النص هو النص، لكن مع مرور السنوات يكتشف حقيقة أخرى، وهي أنّ التلقي علاقة متحركة بين الوعي والزمن وليس صورة فوتوغرافية للنص؛

العاطفة، والتجربة، والخسارات، والخيبات، وقدرتنا على التحليل، وحتى درجة حساسية القلب… كلها عناصر تعيد تشكيل علاقتنا بالأدب.

فما نقرأه في المراهقة ليس ما نقرأه في العشرينات أو الثلاثينات أو ما بعدها، رغم أن الجمل لم تتغيّر!

يمكن النظر إلى تطور التلقي بوصفه مسارًا داخليًا يتدرّج فيه الإنسان من القراءة الحدسية الانفعالية، حيث يتلقى النص بقلبه، إلى القراءة التحليلية المركّبة، حيث يصغي إلى النص بعقله وروحه، ويبحث خلاله عن الإنسان والمعنى من خلال الحدث.

في هذا السياق، تصبح تجربتي مع أول رواية قرأتها مرآة حية لتحوّل وعيي الباطني.

كنت في الرابعة عشرة حين التهمت رواية “البؤساء/ فيكتور هيجو” في يوم واحد، وسهرت عليها حتى الصباح كمن يُفتح له باب سرّي على عالم لم يعرفه من قبل.

كنت في بداية مرحلة المراهقة، حيث تُقرأ الروايات بالقلب أكثر مما تُقرأ بالوعي.

وحين وضع ماريوس رسالة لكوزيت تحت الحجر، شعرت بأن قلبي يتحرك في صدري لأول مرة.

كانت تلك اللحظة طازجة وصادقة وخالية من أي وعي نقدي.

وما زالت تقيم في داخلي كعلامة على ولادة الشعور الأول وأول صيرورة عاطفية حقيقية.

وما زلت أحفظ نص الرسالة رغم مرور عشرين عامًا!

لكن حين عدت للرواية بعد سنوات لم أعد الشخص نفسه!

لم أقرأ النهاية بذات الوعي ولم تعد ذروة العاطفة مجرّد سؤال عن الحب.

 تحوّلت إلى سؤال عن الإنسان:

عن العدالة والفقر، عن الهشاشة، وعن الخير الذي ينهض من قلب الظلام، والشر الذي يتخفّى داخل أوهام الفضيلة.

انخفض الانفعال، نعم، لكنه انخفض ليكشف عمقًا آخر.

انطفأت الرومانسية المطلقة، لكن أضاءت رؤية أوسع للطبيعة البشرية.

وبدأتُ أرى الشخصيات كبنى نفسية معقّدة تشبه الناس حولنا… وتشبهنا نحن في تناقضاتنا.

ومثلما قال هيراقليطس:

نحن لا ننزل النهر ذاته مرتين، لأن مياهًا جديدة تجري دائمًا.

كذلك نحن لا نقرأ الكتاب ذاته مرتين، لأن قارئًا جديدًا يولد في كل مرحلة من عمرنا.

وهكذا تصبح تجربة القراءة مرآة صادقة لرحلة الإنسان الداخلية:

كلما نضجنا، تغيّر النّص في أعيننا لأن قارئًا جديدًا يولد داخلنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com