مرآة تفضح واقعنا

صفاء الأحمد
لماذا يفتح الواحدُ منّا رواية، أو يجلس أمام شاشة تومض بالضوء والظلال؟
بالتأكيد ليس لأن الوقت فائض، ولا لأن المزاج موات!
الجواب أبسط وأعمق معًا،
لأن شيئًا يشبه ارتعاشة خفيّة في الداخل يهمس: هناك من يروي عنك دون أن يعرفك.
الأدب والسينما والدراما ليست مسارح للحكايات، إنها مرايا بعيدة تضع النفس أمام صورتها، بلا قسوة، وبلا ادّعاء، وبلا سؤال مباشر.
إذن، أنتَ وأنا لا نبحث عن القصص فحسب؛ نحن نبحث عن أنفسنا في القصص.
الناس ينجذبون إلى الأعمال التي تشبههم بدافع جوع أعمق من مجرد الفضول!
حين نعثر على شخصية تتعثر بأسئلتنا ذاتها، أو مشهد يقطر من جرح يشبه جرحنا، نشعر كأننا توقّفنا عن الاختباء لوهلة.
نتعرّف على أنفسنا عبر آخر أكثر رهافة؛ آخر يُتيح لنا أن نلمس جرحنا دون أن ننزف، ويتيح لنا رؤية الطفل الذي في داخلنا دون خوف.
هذا التشابه، وهذه المصادفة التي ليست مصادفة بحتة، ليست تفريغًا بالمعنى الساذج للكلمة؛
إنها عملية تعارف داخلي.
فنحن في العمق، نحتاج أن نرى دوافعنا ومخاوفنا ورغباتنا وقد صارت لغة وصورًا، كي نصدّق أنها جزء منّا.
ووحده الأدب يمنحنا جواز مرور إلى تلك المناطق التي نخجل من دخولها بلا وساطة، ويحرّرنا من ثقل الصمت الذي نحمله على ظهورنا.
في اللحظة التي نواجه فيها قصة تشبه حياتنا، يحدث أمر أعجب من التعاطف وينهار شعور الاغتراب.
وبدلًا من الإحساس بأننا الكائن الوحيد الذي يعاني هذا الارتباك، يقول لنا العمل الفني بأن ثمة آخرون مرّوا من هنا.
وكأن العالم بكل صخبه، يخبرنا:
الوحدة خدعة، والتجارب تتكرر، والألم ليس علامة نقص؛ الألم علامة حياة.
ثم يأتي الجانب الأكثر سرّية؛
الإنسان لا يستطيع معالجة تجربته وهو في قلبها، يحتاج مسافة، وظلًا آمنًا، ومحاكاة.
وفي القراءة والمشاهدة نعيد تمثيل مشهد قديم مرّ بنا، لكن هذه المرة من خلف الزجاج.
نتألم نعم، ولكن بطريقة تسمح للفكرة أن تستقيم، وللعاطفة أن تهدأ، وللفوضى أن تتكشّف عن معنى.
وهنا تحديدًا يحدث التفريغ…
التفريغ حكمة، تتخفى في عمق صرخة.
تقول الفلسفة: الإنسان كائن يبحث عن المعنى قبل بحثه عن السعادة.
ولذلك نركض نحو القصص التي تشبهنا، لأنها تواسينا، وتنظّم داخلنا، وتمنح لحياتنا بنية مكتملة.
نبحث في الفنّ عمّا لم نعرف كيف نسميه في أنفسنا، ونبحث عن نهاية محتملة لشيء لم نصل نحن إلى نهايته بعد.
الفنّ لا يغيّر مصائرنا، لكنه يغيّر طريقة رؤيتنا لهذه المصائر، وتلك وحدها كفيلة بأن تجعل الألم صالحًا للتعايش.
وهكذا، يصبح الأدب أكثر من مجرّد كتاب، والدراما أكثر من مجرّد مشهد، والسينما أكثر من مجرّد ضوء؛
هي ممرّات بين الوعي واللاوعي، ومساحة آمنة لكي نرى ما لم نجرؤ على النظر إليه مباشرة.
الأمر ببساطة، أكبر من مجرد تفريغ.
إنه محاولة الإنسان القديمة والمستمرة لأن يرى ذاته بعيون غيره، فيعود إليها بدل أن يهرب منها.



