المعضلة الأخلاقية في رواية “دراسة في اللون القرمزي”

الاتجاه ـ نايف مهدي
عندما نتأمل رواية “دراسة في اللون القرمزي” وهي الرواية الأولى في سلسلة “مغامرات شيرلوك هولمز” للروائي البريطاني الشهير آرثر كونان دويل الذي طبقت سمعته الآفاق، فإننا نجد حدة الانتقام القاسية المتأصلة في بعض النفوس البشرية متمثلةً بشكل وحشي ومروع في بطل هذه الرواية “جفرسون هوب” وكذلك نجد الارتباك المعياري في قبول هذه الرغبة من رفضها. صحيح أن هذه الشخصية هي نتيجة مخيال روائي صرف، ولكن لا يمكننا أن نتجاهل فحص نزعة الانتقام الشديدة بداخلها، وسبر بواطنها ومقاربتها ومحاولة فهمها فهي لم تضعف ولم يخبُ أوارها قط بالرغم من انقضاء عشرين عامًا على الحادثة التي أججت هذا الحقد الصارخ، وبالرغم من بُعد وترامي مساحات الصراع وتجوال البطل وملاحقته للجناة بطول قارتي أمريكا الشمالية وأوروبا انطلاقًا من ولاية “يوتاه” الأمريكية المعقل الأكبر لطائفة المورمون المتزمتة.

تتكئ جريمة القتل التي اقترفها جفرسون هوب على دوافع عاطفية معقدة وعميقة ومشبوبة وغريبة بعد أن أقدم اثنان من المورمون على قتل والد حبيبته، فيما تزوج الآخر قسرًا بها لتموت الفتاة في آخر الأمر قهرًا خلال الأسابيع الأولى من حفل الزفاف. بعد ذلك يلوذ القاتلان بالهرب، ولكونهما من عوائل ثرية جدًا فقد كان بإمكانهما التنقل والاختباء بسهولة تامة في العديد من العواصم الأوربية مثل سان بطرسبرج وكوبنهاجن وباريس وأخيرًا لندن، وهي المدينة الأخيرة التي لقيا حتفهما في شوارعها على يد غريمهما “جفرسون”
العجيب في الأمر، أن جفرسون كان فقيرًا معدمًا، ولكن رغبة الانتقام الجنونية لم تزل تسري في شرايينه، الأمر الذي جعله يعمل ماسحَ أحذية، وعاملًا في المناجم، وسائسًا لعربات الخيول وأحقر الأعمال، فقط لكي يجمع ثمن بطائق السفر والإقامة والمعيشة البائسة في تلك المدن لكي ينتقم ممن سلباه فتاة أحلامه التي هام وتعلق بها بمجرد محادثات عرضية جمعتهما في مدة قصيرة لا تتجاوز شهرًا واحدًا وربما أقل.
عندما نتمعن جيدًا في قضيته وفي جريمتي القتل اللتين قام بهما بدم بارد وتصميم فولاذي، فإننا في الحقيقة نحار ونقع في عدد من المعضلات الأخلاقية التي سوف أبسطها لكم الآن:
أولًا معضلة العدالة مقابل الانتقام
القاتل هو البطل المأساوي
خلفية الظلم وأفق العدالة: هوب لم يقتل بدافع السرقة أو الكراهية العشوائية، بل انتقامًا لموت حبيبته “لوسي فيرييه” ووالدها بالتبني “جون فيرييه” اللذين قُتلا نتيجة قمع وظلم طائفي من قبل “إينوك دريبر” و”جوزيف ستانغرسون”.
الدافع النبيل: دوافع هوب هي الحب والوفاء، ورغبته في تحقيق العدالة التي يعرف أن الأنظمة القانونية الرسمية في ذلك الوقت (بعد مرور سنوات طويلة على الجريمة الأصلية) لن تستطيع تحقيقها ضدهم. لقد رأى نفسه القاضي والمُحلف والجلاد مثلما أدلى باعترافه الأخير أمام المحققين.
ثانيًا التحدي لسلطة القانون
تجاوز القانون: على الرغم من دوافعه القوية، يبقى هوب قاتلاً في نظر القانون، فجريمة القتل، بغض النظر عن الدافع، هي انتهاك صارخ للقانون.
إعطاء الخيار للضحية: محاولته إعطاء دريبر خيار الموت عبر الكبسولات (السامة والبريئة) هي محاولة لتطهير جريمته وتحويلها إلى حكم قدر، ليثبت أن العدالة الإلهية أو القدرية هي من تقرر مصير الرجلين. هذا الفعل يضيف بعدًا دراميًا غريباً لكنه لا يعفيه من المسؤولية الجنائية.
ثالثًا تعاطف القارئ والراوي
موقف واتسون: الدكتور واتسون، الذي يروي القصة، يظهر تعاطفاً واضحاً مع جفرسون هوب بعد سماع قصته المأساوية. القارئ هنا مدعو أيضاً للشعور بالأسى تجاه هوب وتفهم دوافعه، مما يجعل من الصعب اعتباره “شريراً” بالمعنى التقليدي.
في النهاية، أرى أن المعضلة تكمن في أننا نؤيد انتقام هوب عاطفياً لأنه حقق عدالة لم تستطع المؤسسات القانونية توفيرها، لكننا أيضًا ندين أفعاله عقلانياً لأنه أخذ القانون بيده وارتكب جريمة قتل في آخر الأمر.



