مقالات

ضيافة مُصوَّرة وشعرٌ مُفرَّغ

محمد بن مسعود العُمري

ظلّت مجالس الضيافة عبر تاريخنا الاجتماعي مساحةً للكرم الأصيل، وميدانًا تتجلّى فيه المروءة وحسن الاستقبال، ولم يكن الشعر-وخاصة الشعر الشعبي-عنصرًا طارئًا على هذه المجالس، بل كان حاضرًا بصفته رسالةً، وحكمةً، ووسيلةً لتناقل الأخبار والأحوال، وحفظ المواقف، وتثبيت القيم.

في الماضي، كان للشاعر حضوره المهيب؛ لا يُدعى إلا لوزن كلمته، ولا يُنصت له إلا لما يحمله من معنى. وكان الشعر يُقال ليُبقي للمجلس وقاره، ويمنحه بعدًا ثقافيًا واجتماعيًا يليق بأهله وضيوفه.

أما اليوم، فقد شهدت بعض المجالس تحوّلًا لافتًا؛ إذ دخلت عليها عدسات التصوير، ورافقها ما يمكن تسميتهم بـ السنابيين المتجولين، ممن جعلوا من المجالس مادةً عابرة للاستهلاك السريع، لا تُنقل فيها روح الضيافة بقدر ما تُختزل في مشاهد سطحية.

ولا اعتراض على نقل الكرم، فالكرم ديدنٌ لا يُنكر، لكن الإشكال حين يتحوّل المجلس إلى مسرحٍ مفتوح، ويتحوّل بعض الحضور-دون موهبة حقيقية- إلى “شعراء” يملؤون المكان بسوالف مرصوصة بالمديح المفرط، لا تحمل معنى، ولا تُضيف قيمة.

وهنا تكمن المعضلة؛ إذ لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يفتح بابًا لسلسلة متكررة من المجاملات المتبادلة: مدحٌ مقابل دعوة، وتصويرٌ مقابل حضور، ومبالغ زهيدة تُدفع لمحتوى رخيص، في مشهد أقرب إلى البضائع المخفّضة التي تُباع بكثرة لا لقيمتها، بل لرخصها.

ولا يعني هذا التعميم، فثمة مجالس في وقتنا الحاضر يُشاد بها لرصانتها، وحُسن إدارتها، واحترامها لذائقة المكان والضيف، تثبت أن مواكبة العصر لا تعني التفريط في المبادئ، وأن تغيّر الوسائل لا يفرض تغيّر القيم.

ولعل في قول الشاعر:

«إنّ الكريمَ إذا خادعتَهُ انخدعَا»

ما يختصر المشهد؛ فطيبة أهل المجالس، وحسن نياتهم، لا ينبغي أن تكون مدخلًا لاستغلال كرمهم، أو العبث بهيبة مجالسهم.

إن الرسالة هنا ليست رفض الجديد، ولا محاربة الوسائل الحديثة، بل دعوة صادقة لإعادة التوازن:

أن يبقى الكرم كرمًا، ويبقى الشعر شعرًا، وتبقى المجالس عنوانًا للوقار، لا ساحةً للضجيج.

فالمجالس مرآة المجتمع، وإذا صلحت صورتها، صلحت الرسالة التي تنقلها للأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com