مقالات

أنا لا أملك أتعاب كتبي

عدنان الدوسري (*)

يسألني كثير من الأصدقاء الافتراضيين، أولئك الذين يمرّون بي عابرين على شاشات الهواتف، بخفّة إصبع لا تحتمل ثقل المعنى، ويحسبون أن الكتابة طريق معبّد بالتصفيق، ومفروش بالمنصّات والجوائز: هل لك كتب؟ هل لك منشورات؟

فأقف… لا لأن الجواب غائب، بل لأن الحقيقة أكبر من أن تُقال دفعة واحدة، وأثقل من أن تُحشر في تعليق، وأصدق من أن تُروى بلا وجع. أقف كمن يُسأل عن فقره في مأدبة، أو عن جراحه في ساحة عامة؛ أبتسم صونًا للحقيقة لا فرارًا منها، وألوذ بالصمت لأن الصمت أحيانًا أكرم من شرح لا يُفهم.

حين أقول لهم إن قدمي قد حفيت من طرق أبواب دور النشر، لا طلبًا لمجدٍ مستعار، بل بحثًا عن عدالة بسيطة؛ دار لا تبيع الوهم، ولا تزن الإبداع بميزان الجباية، دار تفهم أن الكاتب ليس زبونًا، وأن المخطوطة ليست فاتورة، وأن الحرف لا يُستأجر… يصيبهم الذهول. كأن الكتابة، في مخيلتهم، لا بد أن تكون ميسورة، وكأن النص يولد ومعه حساب مصرفي، وكأن الحروف لا تعرف الجوع، ولا السهر، ولا تُكتب تحت ضوء مصباح خافت بعد يوم مثقل بالتعب.

يا أحبتي… لا تستغربوا من رجل مغترب، شدّته الحياة من يده وقالت له بصرامة: اعمل أولًا، ثم اكتب إن بقي فيك نفس. لا تستغربوا من كاتب يقسّم يومه بين لقمة واجبة وفكرة عنيدة، بين صوت العائلة الذي لا يحتمل التأجيل، وصوت الجملة التي لا تحتمل الخيانة، بين قسوة الواقع ورفق الحلم، بين ما يجب أن يكون، وما لا يستطيع إلا أن يكون.

في أدراج مكتبي المتواضع لا ترقد أوراق فقط، بل ترقد أعمار كاملة، وسهر طويل، وقلوب أُنهكت وهي تحاول أن تقول شيئًا نقيًا في عالم مكتظ بالضجيج. هناك نصوص لم تُؤجَّل لأنها ضعيفة، بل لأنها شريفة، وحيدة، بلا سند تجاري ولا ظهر إعلاني؛ لأن السوق لا يعترف إلا بما يُموَّل، ولأن الإبداع في زمننا صار يُقاس بقدرة صاحبه على الدفع، لا بقدرته على الصمود.

أنا لا أشتكي… فالشكوى اعتراف بالانكسار، وأنا لم أنكسر. ولا أستجدي… فالاستجداء يخلع عن النص كبرياءه، ويكسر ظهر المعنى.

لكنني أقول، بهدوء واثق، وبعزّة نفس لا تحتاج إلى رفع الصوت: اعذروني أيها السائلون… أنا لا أملك أتعاب كتبي. لم أملك يومًا ثمن الحلم، ولا أجرة الطريق إليه. لكن كتبي تملك تعبي، وتحفظ ملامحي بين سطورها، وتشهد أنني لم أبع الحرف، ولم أساوم على المعنى، ولم أستبدل الصدق بالسهولة، ولا العمق بالانتشار.

سيأتي يوم… لا لأن الزمن كريم، فالزمن لا يجامل أحدًا، بل لأن الصبر عنيد حين يُمتحَن ينتصر. تخرج فيه هذه النصوص من الأدراج لا متسوّلة ولا منكّسة الرأس، بل واقفة كما كُتبت: مستقيمة، عصيّة على الانحناء، ممهورة بتجربة لا تُشترى.

وحينها، لن ألتفت إلى سؤال النشر، ولا إلى أرقام البيع، ولا إلى أختام الاعتراف المتأخرة. سأقف أمام نصوصي كما يقف الجندي بعد المعركة، لا يعدّ الجراح، بل يكتفي بأنه لم يفرّ.
وسأقولها بطمأنينة من عرف قدره لا ينتظر تصفيقًا:

أنا لا أملك أتعاب كتبي، لكنني أملك نفسي… ومن يملك نفسه، لا يُفلس.
……….

(*) كاتب وقاص عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com