مقالات

شتاءٌ يتهشّم على الجُبّة

بخيت طالع الزهراني

صديقي محمد محسن الغامدي، أديبٌ وكاتب، خاض الشعر والقصة والرواية، فجاءت كتاباته خفيفة الروح، لطيفة العبارة، عميقة المعنى بلا ادّعاء.

وقد لفتني اختياره جملة قصيرة دالّة: «جاء وقت الجُبّة»، وضعها في البايو Bio الخاص بحسابه في «واتساب»، فراقَت لي وحرّكت وجداني.

وعلى الفور استحضرتُ حكايةً قديمة: جُبّةَ جدّي البيدي؛ تلك التي كانت إحدى دعاماته الشتوية حين يحلّ البرد في بلدتنا. كان يلتحف بها معظم وقته في البيت، وفي تردده على المسجد. وكنتُ حينها طفلًا أرافقه أحيانًا، وأرمقه عن قرب أحيانًا أخرى؛ فإذا تركها للوضوء أو للطعام، قفزتُ إليها بشقاوة الصغار محاولًا التدثّر بها، فإذا بها ثقيلة كالصخرة.

أما النساء، فكانت جُبّة إحداهن قصيرة فوق ثيابها، تصل إلى منتصف الجسد فقط، بلونٍ أحمر وزخارف أكثر.

لكن الملاحظ اليوم، أن الجُبّة قد انحسر حضورها، ولم يبقَ منها إلا محاولات قليلة؛ وتحولت إلى مجرد تحفةً معلّقة في المتاحف، تروي قصتها للأجيال.

وعلى أيّة حال…

فالجُبّة، لمن لا يعرفها، ليست مجرّد لباسٍ فوق لباس؛ بل درعٌ شتويّ حصين، عباءة بيضاء ثقيلة تُصنع من صوف الأغنام في ديارنا الجنوبية، تُلبس فوق الثوب وتُزخرف بخيوط صوف ملوّنة تزيدها بريقًا وعذوبة. تمتدّ حتى قدمي لابسها، وتؤدي دورها النبيل في اتّقاء البرد والرياح في شتاءات الجبال القارسة. لكنها، قبل ذلك كلّه، ظلت قطعة ذاكرة، ودفء معنى، ووشمٌ من التراث على جسد الزمن.

والواقع أنني بقيت أتفكّر طويلًا ……

لماذا هذه الجملة بالذات «جاء وقت الجُبّة»؟ وكيف فطن أديبنا إلى هذا التركيب البسيط الذي يعيدنا دفعةً واحدة إلى الجذور، ويحرّك فينا مشاعر كامنة نحو لباسٍ قلّ استعماله، لكنه ما زال عزيزًا على النفوس، محمّلًا بأطياف الطفولة، ووجوه الآباء، وليالي الشتاء القديمة؟

حاولتُ أن أضع فرضيّات لتفسير هذا الاختيار الذكي، فخرجتُ بأربعٍ – ولا أدري أيّها أقرب إلى الصواب:

قلت بداية: ربما أراد أن يقول إن الوقت قد حان للاحتماء بالمعنى لا بالثياب وحدها؛ فكما تقي الجُبّة الجسد من قسوة البرد، تقي الكتابة الروح من عراء الأيام، وكأن الجملة إعلانٌ داخلي بالعودة إلى الدفء الأصيل وسط صقيع العابر والسطحي.

وربما اختارها احتجاجًا ناعمًا على تسارع الحياة وخفّة ذاكرتها؛ تلميحًا ذكيًا إلى أن في البطء حكمة، وفي الأشياء الثقيلة – كالجبّة – وقارًا لا تمنحه الأقمشة السريعة ولا العبارات المستهلكة.

وربما جاءت بوصفها استدعاءً حنينيًا مقصودًا، يوقظ في المتلقي صورة الجدّ، ورائحة الصوف، وصوت الريح خلف النوافذ، ليقول لنا: إن الكاتب لا يكتب من فراغ، بل من مخزونٍ وجدانيّ مشترك، يعرف كيف يطرق أبوابه دون استئذان.

وأخيرًا ربما – وهذا الأقرب في ظنّي – أراد للجملة أن تكون نصًّا مفتوحًا، بسيطًا في ظاهره، عميقًا في احتمالاته؛ تمامًا ككتابته: جملة تتّسع للتأويل، وتلبس على كل قارئ جُبّته الخاصة، كلٌّ بحسب برده وذاكرته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com