بين الفكرة والصوت مقاربة فلسفية في جوهر القول الفني

د. آمال بوحرب/ باحثة في الفلسفة والجماليات
مقدمة: الشعر بوصفه سؤالا فلسفيا
إن الشعر هو تلك التجربة الفكرية التي تعيد مساءلة اللغة نفسها إد يتجاوز البلاغة ليصبح بحثا في الكينونة. ويحمل في أعماقه قضايا تتقاطع مع الفلسفة قضية الحقيقة والوعي والمعرفة والجمال والزمان. ولكن عبر كل العصور التي مر بها الشعر من تفاوت يطرح السؤال الإشكالي المركزي.. هل الشعر تفكير بالعاطفة أم إحساس بالعقل؟ وهل يمكن للقول الفني أن يكون طريقا إلى معرفة فلسفية بالوجود؟ والحقيقة من خلال هذا السؤال تتفرع قضايا متعددة العلاقة بين الفكرة والصوت الوعي الشعري والحقيقة الصمت كحد للغة الجمال والمعنى بوصفهما وجهين للحقيقة. سنحاول طرحها لعلنا نعرج بالشعر قليلا عن التفكير البسيط او المترهل عن الشعور.
حدود الفكرة الشعرية وعلائقها بالفلسفة
بينت كل مراحل الفكر الشعري بأنه امتدادا للفكر الفلسفي وتجاوز له احيانا. بينما تهدف الفلسفة إلى صياغة المفهوم يسعى الشعر إلى إنشائه من داخل التجربة. فالشاعر يفكر بالتحليل ولكنه بالانغماس في التجربة حيث تتحول الفكرة إلى حالة أنطولوجية. يقول المتنبي:
«بقدر الكبر النفوس تتعظم الآلام»
إنه يقيس الألم فقط يرسم حدوده الكيانية في روح الإنسان. هنا تظهر القضية الأولى هل يمكن للفكرة الشعرية أن تكون شكلا من أشكال الفهم الفلسفي دون أن تفقد شعريتها؟ الفكرة الشعرية هي فكرة عقلية تحاول أن تفسر العالم من خارجه كما تفعل الفلسفة بطريقة وجودية في مقاربة العالم من داخله. في الشعر تتأسس الفكرة عبر المفهوم وإنما عبر التجربة أي عبر تفاعل الفكر بالحس والعقل بالعاطفة في تواشج يجعل القصيدة نمطا آخر من التفكير مجرد خطاب وجداني. حين يعطي الفيلسوف فكرته بعد تحققها اللغوي والفكري فإن الشاعر ينتج فكرته داخل اللغة نفسها عبر انفعال يسبق الوعي المنطقي. يقول ميرلوبونتي في فينومينولوجيا الإدراك الفكر يسكن الذهن والجسد أيضا. وهذا المعنى ينسحب على الشعر لأن الكلمات في القصيدة تنقل الفكرة من خارجها وكذلك تجسدها من الداخل. فالفكرة الشعرية تكن حاضرة قبل النص ولكنها تولد في لحظة القول في تلك المواجهة بين الذات واللغة.
لنأخذ مثال المتنبي في قوله:
«ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاء ينعم»
هنا تطرح القصيدة نفسها كسؤال فلسفي عن ماهية السعادة والمعرفة دون أن تدخل حقل التنظير العقلي. فالشاعر يسعى إلى البرهنة على طبيعة العقل بل إلى إظهار المأزق الوجودي للعقل نفسه لأن المعنى نختزله في مفارقة لفظية ولكن يكشف لنا تجربة وعي دام يرى أن الوعي عبء وأن الجهل يمنح نوعا من الطمأنينة الحيوانية. هذه المفارقة تختصر فلسفة كاملة في بيت شعري وهنا تظهر قدرة الشعر على إنتاج فكر مكثف يتجاوز اللغة المفهومية التقليدية. في هذا المستوى تتقاطع الفكرة الشعرية مع الفلسفة من حيث السؤال وتفترق عنها من حيث الطريقة. فالفلسفة تفكر في العالم عبر منطق تحليلي يسعى إلى التحديد بينما يفكر الشعر عبر انخطاف وجودي يحافظ على غموض الحقيقة كي يفقدها. لذلك قال نيتشه إن الشعراء وحدهم يملكون الجرأة على النظر إلى الحقيقة من دون أن يموتوا من بهائها. إن الفكرة الشعرية إذن هي فكر متشعر أي فكر يحتفظ بصلته بالحس بالتجربة بالوجدان دون أن يتنازل عن طموحه المعرفي. هي ضد التفكير العقلي وتكمله من الجهة التي يراها العقل الجهة التي فيها المعنى تجربة تعريفا وحضور مفهوما. وهكذا يمكن القول إن الشعر هو الحيز الذي تتصالح فيه الفكرة مع جمالها حيث تنجو من تجريد اللغة الفلسفية لتعيش في إيقاع من الدهشة والكشف. وفي هذا المعنى الفكرة في الشعر فكرة تقال وجود يعاش أي شكل من أشكال الحقيقة التي تجلت في لغة نابضة بالحياة.
الصوت معرفة حسية ومصدر للمعنى
إذا كانت الفكرة الشعرية تسعى إلى الإمساك بجوهر التجربة فإن الصوت هو المجال الذي تتحقق فيه تلك التجربة وجوديا. فالصوت في الشعر وسيط ناقلا للفكر هو كينونة تولد الفكر من داخلها لأن الصوت هو اللحظة التي تتحول فيها الفكرة من مجرد وعي إلى حضور حي. هكذا يصبح الشعر طريقا إلى معرفة حسية يتجلى فيها الوعي من خلال الإيقاع والنبرة عبر المفهوم المجرد. لقد أدرك الفلاسفة الجماليون من هايدغر إلى أدورنو أن ما يجعل الشعر ميدانا خاصا للمعرفة هو أنه يقدم معنى يفهم تجربة تعاش بالصوت. فاللغة في منظور الوجوديين وعاء للمعنى مسكنا للوجود ذاته. لذلك يقول هايدغر في طريق إلى اللغة اللغة تعبر عن الموجود توجده في ظهوره. وفي الشعر تحديدا هذا الظهور يتم عبر الصوت الذي يفتح المعنى على الحضور الزمني للكينونة.
حين نقرأ قول محمود درويش:
“نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا»
يبدو أن حب الحياة فكرة أخلاقية أو عاطفية وإن ما يمنحها حقيقتها الوجودية هو إيقاع الجملة وتقطعها بين الإيجاب والشرط. الوقفة الصوتية بين نحب الحياة وإذا هي التي تشحن العبارة بوعي مأساوي بالموت والحرية في آن واحد. هنا يتحول الصوت من عنصر جمالي إلى حامل لمعرفة معرفة أن الوجود مشروط بالزمن وأن الحياة فعل مقاومة حالة ثابتة. الصوت إذن هو منظور أنطولوجي إلى المعنى. في الفلسفة يعبر عن الوعي بمفاهيم أما في الشعر فيكشف الوعي عبر نغمة أو تكرار أو صمت داخل الإيقاع. فحين يقول السياب في أنشودة المطر:
«عيناك غابتا نخيل ساعة السحر»
يعمل التكرار على خلق ديمومة وجودية يتولد منها الإحساس بالانبعاث. فالصوت هنا زينة للمعنى مادة تفكيرية تعيد تشكيل التجربة في بنية سمعية. وهو ما عبر عنه أدورنو حين رأى أن الشكل الفني ينتج الوعي من ذاته من خارجه. من هذا المنظور يوسع الشعر مفهوم المعرفة ليشمل الحس والوجدان إذ يحول الاستماع إلى فعل تفكيري. ففي حين ترتبط الفلسفة بالرؤية يرتبط الشعر بالسمع أي بالبعد الزمني للحقيقة. ومن هنا يمكن القول إن الصوت الشعري هو الزمن وهو يفكر كما أن الفكر هو الصوت وقد أصبح فهما هكذا يعود الصوت مجرد عنصر من عناصر البنية الجمالية بل يصبح وسيطا أنطولوجيا بين الإنسان والعالم. فالشاعر حين ينطق يصف الوجود يعيده إلى التجربة. إنه يتحدث عن الأشياء يجعلها تتكلم من خلاله وبذلك ينتصر الشعر على التجريد العقلي لأنه يعيد للفكرة صوتها الأول ويعيد للحقيقة لحظتها الحسية التي تختزل في برهان ولا مفهوم بل تدرك بالإن…
الصمت أفق للمعنى
يبدو للوهلة الأولى أن الشعر فعل كلام وإن كل قول شعري حقيقي يستبطن صمتا خفيا هو شرط معناه. فالشاعر يتحدث إلا ليكشف عما يمكن قوله. بهذا المعنى يشكل الصمت أفقا أنطولوجيا يحد اللغة لكنه في الوقت نفسه يمنحها عمقها الوجودي. إن الصمت في الشعر فراغا لغويا مكان تتنفس فيه الكلمة وتكتسب دلالتها.
الفلسفة الوجودية منذ هايدغر وحتى سارتر ربطت بين الصمت والكينونة. فهايدغر رأى أن الصمت هو الشكل الأصفى للإنصات إلى الوجود لأنه يكشف عما يقال في اللغة العادية. وفي الشعر هذا المعنى يأخذ بعدا جماليا حادا إذ يصبح الصمت هو ما يتيح للقول أن يكون حدثا. فالكلمة الشعرية تحمل داخلها أثر الغياب وتطالب القارئ بأن يصغي لما يقل بقدر ما يقال.
انظر إلى قول محمود درويش في حالة حصار:
«صمتنا هو نوع من الكلام»
هذه الجملة البسيطة تقلب المعادلة التقليدية بين النطق والخفوت. الصمت هنا تعطيلا للفكر لغة أخرى أكثر صدقا من الكلام المباشر. فحين يعجز اللسان عن تفسير الوجع يتكفل الصمت بنقله. إن المعنى في الشعر يتحقق بوفرة الألفاظ بكثافة الغياب الذي يتركه الكلام وراءه…
بعد هذا المسار الذي تتقاطع فيه الفكرة بالصوت ويتجلى فيه الصمت بوصفه أفقا للمعنى يظل السؤال مفتوحا:هل يكون القول الشعري شكلا من أشكال المعرفة الوجودية التي تتجسد في الصوت وتكتمل في الصمت وتمنح الفكر إمكانية العيش داخل اللغة



