الأسواق بين الإحياء والاختفاء

عبدالحي إبراهيم الغبيشي
احتلت الأسواق منذ القدم مكانة بارزة عند العرب في الجاهلية والإسلام، وحتى يومنا هذا، فمنها ما كان موسميًا، كعكاظ ومجنة وذي المجاز، ومنها ما كان أسبوعيًا يُعقد في يوم محدد من الأسبوع، ويقتصر على المدينة أو القبيلة وما جاورها من القرى.
ولم تكن الأسواق القديمة مجرد أماكن يتم فيها التبادل التجاري من بيع وشراء، بل اكتسبت أهمية أكبر من ذلك، كونها محفلًا لتجمع الأدباء والشعراء وكبار القوم وعامتهم، أضف إلى ذلك أنها كانت مقصدًا لمن يطلب الأمن والفداء، ومنبرًا يتبارى فيه الشعراء والخطباء بأغراض الشعر المتنوعة، كالفخر والمديح والمكاثرة والمنافرة والمقارعة والمعاظمة، فيفوز فيها أناس ويخسر آخرون.
ومن المعلوم أن أهم أسواق الجاهلية: عكاظ، ومجنة، وذي المجاز، كانت تقام في الأشهر الحرم، فلا يجوز فيها القتل والعدوان ولا الغزو والأخذ بالثأر، وهي أسواق عامة موسمية ليس فيها عشار. وأهم ما يربط بين الثلاثة قيامها في موسم الحج، وكانت تنتصب مجتمعة في منطقة جغرافية واحدة قريبة من مكة المكرمة، وهذه الميزة أكسبتها قيمة حضارية وتاريخية، وأتاحت لها نوعًا من الحرمة والحماية، وكانت متتالية، فما كادوا يخرجون من سوق إلا ويدخلون في الآخر، حيث يبدؤون موسمهم بسوق عكاظ مع أول هلال ذي القعدة، ويمتد إلى العشرين منه، ثم يبدأ سوق مجنة في آخر عشرة أيام منه، ويبدأ ذو المجاز أول شهر ذي الحجة حتى اليوم الثامن، يوم التروية.
وكان يقوم على سوق عكاظ هوازن، وعلى ذي المجاز قبيلة هذيل، وعلى مجنة قبيلة كنانة.
أما عن أسواق الأزد في الجاهلية، فكان أشهرها سوق حباشة، يقع في تهامة بصدر وادي قنونا، وهو خارج نطاق الأسواق السابقة، ولا يقل عنها أهمية، ويتزامن انعقاده مع الأشهر الحرم أيضًا، وتحديدًا في شهر رجب، وتبرز تلك المكانة بانعقاده في الأشهر الحرم؛ احترازًا لما يحتمل وقوعه من مشاكل ومخالفات سياسية واجتماعية ودينية.
وكان لحباشة ما لغيره من المزايا، وقد وصل إليه رسول الله ﷺ قبل البعثة بتجارة خديجة رضي الله عنها، واستأجرت معه رجلًا من قريش، وهو من مكة على بعد ست ليالٍ، ومن الأعلام الذين شهدوا سوق حباشة الشنفرى، وقد أورد صاحب كتاب الأغاني ما نصه من قول رجل: «تركت الشنفرى بسوق حباشة». وهي آخر سوق خربت من أسواق الجاهلية عام 179هـ.
وقد توقفت واندثرت الأسواق الثلاثة (عكاظ، ومجنة، وذي المجاز) في صدر الإسلام عام 129هـ.
ومن معالم الأزد في السراة منذ الجاهلية ثروق، وتذكر المراجع أن ثروق بلدة عظيمة في دوس، كان بها منبر، والمنابر وقتها لم تقم إلا في الأسواق.
ومعروف أن غالبية مناطق الجزيرة العربية وغيرها كانت تنتشر بها الأسواق، سواء في الجاهلية أو الإسلام، وقد توسعت وانتشرت بعد الفتوحات وانتقال الخلافة، كسوق المربد، وهو أشهر أسواق العرب بعد الإسلام، وسوق دومة الجندل، وكانت ملتقى طرق مهمة بين العراق والشام وجزيرة العرب، وسوق المشقر وهجر بالبحرين، وسوق حجر اليمامة، وسوق الشحر بين عدن وعمان، وسوق خيبر بالمدينة، وسوقي صحار ودبا بعمان، وسوق عدن وصنعاء.
أما الأسواق المحلية الصغرى التي كانت تُعقد أسبوعيًا في المدن والقرى، وخاصة غامد وزهران، فهي كثيرة جدًا، وأرى أن الباحثين والكتاب لم يولُوها اهتمامًا في مؤلفاتهم، إلا ما ذكره بعض الرحالة من قبيل: «جميع أهل اليمن وأهل الحجاز لهم أسواق يجتمعون فيها في أيام مخصوصة»، إضافة إلى ما ذكره العصامي عام 987هـ أن الشريف أبا نمي هاجم زهران بحملة كان من نتائجها إحراق سوقي الخميس في السراة وسوق المخواة في تهامة.
وقد تعددت أسباب انتشار هذه الأسواق، حيث لم يكن لطبيعة الحياة الاجتماعية في تلك الفترة، وما تفرضه الظروف البيئية، بدٌّ من إقامة تلك الأسواق التي كانت تلبي احتياجات ضرورية ومحلية اقتضتها معايش الناس وطبيعة توزعهم في ديارهم.
وكانت منتشرة وعامرة قبل عام 1395هـ، وعلى سبيل المثال تلك الأسواق الكثيرة، كما ألمحنا، في قبيلتي غامد وزهران، حيث إنهما تتكونان من عدة قبائل، وكان لكل قبيلة سوق مميز يقع في إحدى قراها، وقد تكون أكبرها وأكثرها شهرة، حتى يسهل الوصول إليه، ويعتبر في الوقت نفسه مقرًا للقبيلة ودليل قوتها ووحدتها.
ولا يمكن أن تقوم مثل تلك الأسواق إلا في ظل حماية قبيلة قوية قادرة على رعايته وتأمينه، من أجل ضبط شؤونه وتوفير وسائل الحماية والأمن فيه.
وجدير بالذكر أنه ليس هناك تاريخ يُعرف بدقة لنشأة تلك الأسواق وقدمها، وأغلب هذه الأسواق كُتبت شداتها وقوانينها في القرن العاشر الهجري وما تلاه.
وتتوزع مواعيد الأسواق على أيام الأسبوع، وتسمى باسم اليوم الذي يعقد فيه السوق، ومن أشهرها: سوق الباحة، والمندق، ورغدان، وبالجرشي، وبالشهم، وبني كبير، والأطاولة، والرومي، وبرحرح، والصغرة، والكرادسة، والصفح. وفي تهامة: سوق الحجرة، وقلوة، والشعراء، والمخواة، وهذا الأخير فرض عليه أمير مكة فيصل بن الحسين حصارًا وتحكيرًا عام 1329هـ.
وكانت تحكمها أنظمة وقوانين وعقوبات صارمة تسمى عقود السوق، تمنع أن يعتدي شخص على آخر، بحيث تحدد الأماكن المحيطة بالسوق وأسباله من جميع الجهات، وتحدد مدة معينة لهذه الحماية، بيوم السوق ويوم قبله ويوم بعده.
ومن أهم تلك القوانين عدم إشهار السلاح فيه، وعدم اختلاق مشكلة فيه، ولذلك فإن صاحب الثأر لا يستطيع التعدي على غريمه، إضافة إلى التأكد من سلامة المكاييل والموازين، ومراقبة الأسعار والسلع، وذلك من قبل أشخاص يسمون عقداء السوق، أو شخص يسمى قيم السوق.
ويحق لكل شخص أن يبيع ويشتري في السوق، وأحيانًا يقسم على القرى والقبائل أنصبة، فيقال للقبيلة أو القرية الفلانية: ناصفة السوق، أو رابعتها، أو ثامنتها.
ويتكون السوق من عدة مواقع، أهمها ساحة السوق، وعادة ما يكون فيها البيع بافتراش أرض السوق في صفوف متراصة، كما يوجد بعض الدكاكين في محيط السوق، وكذلك المجلبة، وهي أماكن بيع المواشي، وأماكن بيع منتجات الحرف اليدوية، والمسعرة، وهي الأماكن المخصصة لبيع الحبوب (الميرة).
وكانت غلة الحبوب لها شأن كبير، وخاصة عند الزراع، وكانت تمثل لصاحبها ثروة ومكانة وكلمة مسموعة في السوق، ومن طرائف العرب في ذلك: «غلة الدور مسألة، وغلة النخل كفاف، وغلة الحب ملك».
وكانت عملية البيع والشراء بالعملة المستخدمة في تلك الأزمنة، أو بالمقايضة، أو بالرهن والتداين.
ولم تقتصر هذه الأسواق على البيع والشراء، بل كانت تمثل مرحلة تاريخية مهمة من التاريخ المجتمعي لمنطقة الباحة، باعتبارها بوتقة تصب فيها أعمال ووظائف وأنشطة كثيرة، بعضها يشبه إلى حد كبير تلك الأنشطة التي كانت في الأسواق الكبرى في الجاهلية، رغم محدوديتها والفارق الزمني بينهما.
فكان بينها قاسم مشترك في عدة نواحٍ، كحرمة السوق، وعدم الأخذ بالثأر والتعدي، والخطابة التي كان يقابلها البدوة والمديح والمعاظمة وغير ذلك.
كما كان لها أنشطة ووظائف اجتماعية مختلفة، كالتنكيل والتشهير بالخارجين على قوانين المجتمع، وشدة السوق، والإعلان عن الحروب، وإعلان الجوار أو فكه، وإعلان أو فرض قانون معين، وأحيانًا لتنصيب شيخ أو خلعه، والتحذير من خطر الأوبئة والأمراض، ونقل الأخبار والمواعيد، والتبليغ عن أي خبر يهم الناس.
وكان يطلق على السوق اسم البندر في عهد الأشراف، وقد استخدمت الأسواق في بدايات الحكم السعودي مؤسسات وهيئات حكومية في نشر الوعي والوعظ وتثقيف وإرشاد الناس.
ورغم اختفاء كثير من الأسواق، إلا أنها تبقى شاهدًا على تاريخنا الاجتماعي والثقافي، ويأتي إحياؤها اليوم لاستعادة ذلك الإرث وربطه بالحاضر.
وضمن فعاليات صيف الباحة 2026 أقيمت فعاليتان رئيسيتان؛ إحداهما احتفالية عن سوق الأربعاء، إضافة إلى أمسية ثقافية أحياها د. عبدالرحمن العبيدي عن سوق ربوع الأطاولة، الذي يعتبر من أعرق وأقدم الأسواق التجارية في المنطقة، وكان يعرف بـسوق الخميس، وذكر في وثائق تعود إلى عام 728هـ، جاء فيها ذكر: «أبو دهمان المدفون في باب سوق الخميس»، وهو جد السادة الفقهاء الرفاعية، اللذين توارثا القضاء وكتابة شدات الأسواق والإفتاء في زهران.
وقد نظم السوق قديمًا وفق قوانين وأعراف كانت تحكمه، وسمي فيما بعد ربوع قريش، ولعظم تلك المعاهدات تغنى فيه الشاعر ابن ثامرة:
«وين سوقٍ مثل سوق الأطاولة عند الوفا والكملة»
كما أقيمت فعالية أخرى يوم أمس عن سوق رغدان التاريخي، شيخ الأسواق، الذي يعد من أكبر وأهم الأسواق التجارية، وقد أكسبه موقعه الجغرافي أهمية بالغة، فهو يقع بين قبيلتي غامد وزهران، وقد شهد أحداثًا تاريخية واجتماعية عظيمة، وأهم قيمة تاريخية تخلد ذكرى هذا السوق المعركة الفاصلة التي انتصر فيها غامد وزهران على الأتراك عام 1321هـ، وقُتل على أثرها القائد أحمد باشا ومعاونه.
…………
21/2/1448هـ



