مقالات

كأس أمم أفريقيا.. حكايات إنسانية خالدة

بخيت طالع الزهراني

كأس أمم أفريقيا، في جوهرها، ليست بطولة أقدام فقط، بل بطولة قلوب. بطولة تُشبه القارة: مليئة بالتناقضات، ثرية بالحكايات، وصادقة في إنسانيتها. قد نختلف على أفضل لاعب، أو أجمل هدف، لكننا نتفق دائمًا أن هذه البطولة تُذكّرنا بأن كرة القدم، قبل كل شيء، قصة إنسان.

وتعالوا نبدأ الحكاية….

من المدرجات، جلس زين الدين زيدان، لا بصفته أسطورة كرة القدم العالمية، بل كأبٍ يتابع مباراة ابنه لوكا زيدان، حارس مرمى الجزائر، بعينٍ قلقة وقلبٍ معلّق بكل كرة. هنا تسقط الألقاب، ويعود أعظم اللاعبين إلى أبسط أدوارهم: أب يخشى على ابنه من قسوة الاختبار وضغط الاسم قبل ضغط البطولة.

وفي ملعب البطولة، كثيرًا ما يلفت الأنظار الدولي المصري محمد صلاح، لا فقط بأهدافه، بل بتصرفاته الإنسانية؛ احتواء زميلٍ أخطأ، أو اعتذار صادق لجمهور خذله، أو صورةٍ عفوية مع طفلٍ اقتحم المشهد بحثًا عن حلم. صلاح في هذه اللحظات لا يمثّل نجمًا فقط، بل نموذجًا للاعب يدرك أن القدوة جزء من اللعبة.

ساديو ماني ….الدولي السنغالي والنصر السعودي، نشأ في قرية صغيرة فقيرة، وعندما أصبح نجماً في كرة القدم، لم ينسَ قريته. بنى مستشفى ومدرسة ومحطة وقود وبريد، وزود القرية بالإنترنت ودعم العائلات شهريًا، ليحوّل نجاحه الرياضي إلى تغيير حقيقي في حياة أهل قريته.

..وهذه قصة عجيبة …في كأس أمم أفريقيا حكاية فريدة تتعلق بلاعب بوركينا فاسو، ستيفان عزيز كي، الذي يواصل مسيرته رغم فقدانه البصر في إحدى عينيه. تعرض لإصابة قديمة في طفولته أفقدته الرؤية الجزئية، لكنه رفض أن تكون عائقًا أمام حلمه الكروي.

طوّر إحساسه بالمساحة والتوازن، وعوّض النقص بالذكاء والتمركز… في البطولة، لم يظهر كحالة إنسانية بل كلاعب مؤثر في وسط الملعب….قصته رسالة واضحة: الإعاقة لا تمنع القمة، إذا وُجد الإصرار.

وهنا أيضًا قصة إنسانية مؤثرة للنجم الدولي، أندريه أونانا، حارس منتخب الكاميرون وأحد أبرز الحراس في كأس أمم أفريقيا 2025. أسس مؤسسة لمساعدة الأطفال المحتاجين، خصوصًا المكفوفين منهم، وتوفير الرعاية الطبية المجانية لأكثر من 1,200 عملية جراحية للأطفال في مجتمعه، وأفريقيا جنوب الصحراء.

ولا يمكن تجاهل حكايات الصعود العصامي، مثل حارس المغرب والهلال السعودي، ياسين بونو، الذي عرف الجلوس طويلًا على دكة البدلاء في أوروبا، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز الحراس في العالم. صبرٌ طويل، وإيمان بالنفس، حتى جاءت اللحظة التي أثبت فيها أن التوقيت قد يتأخر… لكنه لا يضيع.

ولا تكتمل الحكاية الأفريقية دون التوقف عند إدوارد ميندي، نجم السنغال وأهلي جدة، الحارس الذي كاد أن يختفي من الخريطة الكروية. قبل أن يصبح حارسًا متوَّجًا أوروبيًا، ثم جائزة أفضل حارس مرمى في دوري أبطال آسيا للنخبة، عاش ميندي فترات بطالة كروية قاسية، لعب في درجات متدنية، وتوقّف عن الكرة أشهرًا يبحث عن فرصة لا عن مجد. كان يمكن أن تنتهي القصة هناك، لولا إصراره الهادئ، عاد لا لينقذ المرمى فحسب، بل لينتصر لفكرة الإيمان بالذات

وفي كأس أمم أفريقيا، تبرز حكاياتُ صمودٍ تتجاوز حدود الملعب؛ فهذا الشاب “محمدو دومبيا” نجم مالي واتحاد جدة، انتزع النجومية من ركام الانتظار في باماكو، ليفرض شخصيته بين عمالقة العميد “كانتي وبنزيما” وفي ذهنه اخلاص لموهبته واسعاد لوالدته حسب ما قال عدة مرات، مبرهناً أن الموهبة حين تتدثر بالبر والوفاء تبلغ عنان السماء.

وفي خط الوسط، يقف الدولي الإيفواري، فرانك كيسيه، ونجم وسط أهلي جدة، كقصة وجعٍ صامت. لاعبٌ لم يكن يلعب فقط ليكسب، بل ليعوّض غياب الأب الذي رحل مبكرًا، وترك في قلبه فراغًا لم يملأه إلا العطاء. كيسيه لطالما تحدّث عن مسؤولية العائلة، وعن الكرة كوسيلة نجاة لا ترف. في الملعب، يبدو صارمًا وقاسيًا، لكن خلف ذلك صبيٌّ تعلّم باكرًا أن الحياة لا تُهادن.

وعلى خطى الكبار، يأتي “كاليدو كوليبالي” صخرة دفاع السنغال والهلال، الذي وُلد في فرنسا ولم ينسَ يوماً كفاح والده في مصانع النسيج، فحمل قلباً يتسع لقارة بأكملها. لم يكتفِ بحراسة خط ما قبل المرمى، بل سيّر المساعدات وبنى العيادات في القرى على نفقته، مؤكداً أن النجومية تُقاس بحجم الأرواح التي ننقذها.

أما رياض محرز، كابتن الجزائر وجناح أهلي جدة، فقصته تحمل طابعًا مختلفًا من الإنسانية: إنسان التحدي الهادئ. لاعب لم يأتِ من أكاديميات فاخرة، بل من شوارع فرنسا وأنديتها المتواضعة، شق طريقه ببطء حتى صار رمزًا لبلاده وقائدًا لجيلٍ كامل. محرز لا يرفع صوته كثيرًا، لكنه يرفع أحلام الجزائريين كلما لمس الكرة، ويذكّر الشباب بأن الموهبة لا تحتاج ضجيجًا بقدر ما تحتاج صبرًا وإصرارًا.

كأس أمم أفريقيا ليست فقط مَن يرفع الكأس في النهاية، بل مَن يحمل قصته على كتفيه ويدخل بها الملعب. بطولة تُعلّمنا أن الإنسان، حين يُمنح فرصة، قد يُدهش العالم… حتى لو بدأ من الهامش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com